سنوات ضاعت مني في الموانئ
كاظم فنجان الحمامي
هناك مثل بابلي قديم يقول: (أصعب قرار في الحياة هو أن تترك شيئاً كنت تظنه جزءاً منك). لكن الأصعب هو أن تبقى ممسكاً بذلك الشيء. ثم تجد نفسك خارج دائرة الاهتمام. فالاستبعاد والتهميش لا يأتيك إلا غدراً دونما سبب. .
بالأمس كنت شاباً يافعاً، واليوم شيخاً عجوزاً، كبرت وشخت دون أن أشعر، وكأن العمر تسلل إليَّ خلسة. امضيت اكثر من 40 سنة من عمري متنقلا بين أقسام الموانئ العراقية. كنت فيها من الفاعلين الناشطين. تركت فيها اكثر من بصمة ظلت تعكس مهنيتي وعطائي وشغفي الدؤوب، وخير دليل على ذلك الصرح المعماري المبني على الطراز الفكتوري المهيب. .
أنا اول من فكر بكتابة قانون الموانئ العراقية رقم 21 لسنة 1995، وأول من فكر بكتابة تعليمات الموانئ رقم 1 لسنة 1998. وأول من فكر بتغيير تراخيص المرشدين البحريين وتحسين أداءهم، وأول من ارسل دوراتهم إلى لندن، و ارسل دورات الطيارين إلى الأكاديميات الأوروبية. وأول من فكر بكتابة قانون السلطة البحرية. وكنت اقف بقوة وراء تنفيذ مشروع إسكان موظفي وزارة النقل، فخصصت لهم اكثر من 22 الف قطعة ارض في عموم العراق، كانت حصة الأسد من نصيب الموانئ. وظلت المكتبة العراقية عامرة حتى الآن بمؤلفاتي ودراساتي ومحاضراتي. .
لقد تدرجت في عملي الميداني من مرشد بحري ثالث حتى اصبحت المرشد البحري الاقدم، ثم مديرا لشعبة المتابعة العلمية، ومديرا لقسم التفتيش البحري، ومديرا لميناء خور الزبير، ومديرا للسيطرة البحرية، ومعاونا لمدير عام الموانئ، ثم وزيرا للنقل، ونائبا في الدورة البرلمانية الرابعة، ورئيسا للجنة مراقبة الأداء الحكومي. .
وتشهد لي وزارة النقل بارتفاع الإيرادات والمخصصات والحوافز والأرباح للمدة من 2016 إلى 2018. .
لكن المؤسف له انني وعلى الرغم من خدمتي المينائية الطويلة، وبساطتي وتواصلي مع الصغير والكبير، وعلى الرغم من احالة معظم زملائي إلى التقاعد، وعلى الرغم من انني لم اكن سيئا مع الموظفين، وكنت من اشد المتعاونين معهم. ظلت تأتيني منهم الطعنات حتى بعد تجاوزي عتبة السبعين. .
اكتشفت بعد رحلة طويلة انني لا ارغب ان أكون الأفضل في هذه الحياة، احمل في جيبي الآن عشرات المفاتيح لأبواب لم تعد موجودة. كل ما أريده ان اجلس هادئ البال معتدل المزاج. راض عن كل شيء. فالحياة أقصر من ان نشرح فيها حسن نوايانا للناس. فمن لا يخرج من الماضي لن يدخل المستقبل. فتوكلت على الحي الذي لا يموت، وكفى به ولياً وكفى به نصيرا. .



إرسال التعليق