إسرائيل كذراع استراتيجية للولايات المتحدة: بين المصالح العميقة والهيمنة المستدامة

حمدي سيد محمد محمود
تمثل إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية قيمة استراتيجية متعددة الأبعاد، فهي ليست مجرد حليف تقليدي في منطقة الشرق الأوسط، وإنما تُعتبر مركز ثقل جيوسياسي وعسكري واستخباراتي واقتصادي يخدم المصالح الأمريكية على المدى القريب والبعيد. فمنذ تأسيسها، أدركت واشنطن أن وجود كيان قوي وموثوق في قلب منطقة مضطربة يمثل ضمانة لحماية مصالحها الحيوية، سواء ما يتعلق بتأمين موارد الطاقة في الخليج، أو مواجهة القوى الإقليمية المنافسة، أو كبح نفوذ خصومها العالميين في الشرق الأوسط. وقد رسخت العقود الطويلة من التعاون المشترك قناعة لدى صناع القرار الأمريكيين بأن إسرائيل ليست مجرد عبء سياسي يحتاج إلى دعم، بل أداة استراتيجية قادرة على حماية التوازنات وتشكيل موازين القوى بما يخدم التطلعات الأمريكية.
على المستوى العسكري والأمني، تُعتبر إسرائيل شريكاً استثنائياً في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية، إذ تمتلك أجهزة متقدمة وقدرات رصد عالية في بيئة معقدة ومليئة بالتحديات الأمنية، ما يجعلها مصدراً موثوقاً للولايات المتحدة في تتبع الأنشطة الإرهابية والتنظيمات المتطرفة، فضلاً عن رصد تحركات الخصوم الإقليميين مثل إيران. كما تُعد إسرائيل بمثابة قاعدة غير معلنة للقوة الأمريكية في المنطقة، فهي قادرة على التدخل السريع عند الضرورة، وتوفر غطاءً لدعم الانتشار العسكري الأمريكي وتخزين الأسلحة والمعدات الاستراتيجية في مواقع آمنة. وإلى جانب ذلك، تمثل إسرائيل مختبراً ميدانياً للتكنولوجيا العسكرية، حيث تطور أنظمة متقدمة مثل “القبة الحديدية” وأنظمة الحرب السيبرانية، التي تستفيد منها الولايات المتحدة سواء عبر نقل الخبرات أو من خلال صفقات السلاح المشتركة.
أما على الصعيد السياسي والدبلوماسي، فإن إسرائيل تمنح واشنطن قدرة على التأثير في ديناميكيات المنطقة بشكل غير مباشر، إذ يشكل وجودها نقطة ارتكاز في التوازن الإقليمي، ويتيح للولايات المتحدة أدوات ضغط على الدول العربية والإسلامية في ملفات السلام والتطبيع والصراعات الإقليمية. وتستفيد واشنطن من التحالف مع إسرائيل في تعزيز نفوذها داخل المنظمات الدولية، حيث يحظى اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة ونفوذه السياسي بدور فعال في رسم معادلات القوة داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية، بما يضمن استمرار الدعم المتبادل وخلق بيئة سياسية داخلية مواتية لاستمرار التحالف.
اقتصادياً وتكنولوجياً، تضيف إسرائيل بعداً آخر لقيمتها الاستراتيجية، إذ تُعد من أكثر الدول ابتكاراً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والزراعة الحديثة، والطب الحيوي. وهذا يجعلها شريكاً اقتصادياً وعلمياً للولايات المتحدة في صناعات المستقبل، ورافعة لتعزيز القدرة التنافسية الأمريكية في مواجهة القوى العالمية الأخرى. كما أن وجود بيئة استثمارية قوية وروابط اقتصادية وثيقة بين الشركات الأمريكية والإسرائيلية يخلق شبكة مصالح متداخلة يصعب فك ارتباطها، ما يعزز متانة العلاقة الاستراتيجية.
ومن المنظور الأوسع، تمثل إسرائيل بالنسبة لواشنطن حليفاً أيديولوجياً وثقافياً، حيث يقوم التحالف على روايات مشتركة تتعلق بالقيم الديمقراطية والتحالف بين “مجتمعات غربية” في مواجهة محيط يُنظر إليه غالباً كبيئة معادية أو غير مستقرة. هذا البعد القيمي يضفي على العلاقة طابعاً يتجاوز الحسابات المصلحية البحتة، ليصبح جزءاً من الهوية السياسية الأمريكية في تعاملها مع الشرق الأوسط، ويجعل أي مساس بالعلاقة مع إسرائيل أشبه بتهديد مباشر للمصداقية الأمريكية أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.
وبذلك يمكن القول إن القيمة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة تتجلى في كونها ذراعاً ممتداً لواشنطن في الشرق الأوسط، ووسيلة لتثبيت النفوذ الأمريكي في منطقة حيوية للسياسة الدولية. فهي حليف يجمع بين البعد العسكري والأمني، والدور السياسي والاقتصادي، والدعم الأيديولوجي والثقافي، ما يجعل العلاقة بين الطرفين واحدة من أكثر الشراكات رسوخاً واستمرارية في النظام الدولي المعاصر، بحيث يصعب تصور سياسة أمريكية في الشرق الأوسط لا تكون إسرائيل في قلبها.



