موت الغرب ديمقراطياً لا ديموغرافياً
حين سقط القناع: موت الغرب ديمقراطياً لا ديموغرافياً
حسام محسن البريفكاني
حين كتب باتريك بوكانن عن “موت الغرب”، انطلق من فرضية أن الحضارة الغربية تتآكل بفعل الشيخوخة السكانية، وتراجع معدلات المواليد، وتفكك الأسرة، وأن موجات الهجرة ستطيح بالهوية المسيحية ـ الأوروبية، غير أن ما غاب عن حساباته أن الغرب لم يمت بيولوجياً بقدر ما مات ديمقراطياً وأخلاقياً، وأن سقوطه لم يأتِ من بطون خاوية ولا من أسر مفككة، بل من القيم التي طالما ادّعى أنه حارسها؛ فقد جاءت أحداث غزة لتضع الديمقراطية الغربية أمام امتحانها الأصعب، فإذا بها تتهاوى، كاشفة عن وجه مغاير تماماً لما كانت تسوّقه للعالم.
فالغرب الذي قدّم نفسه “أباً للديمقراطية وحقوق الإنسان”، لم يتردد في دعم آلة حرب أبادت الآلاف من المدنيين، ودمّرت البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ولم يجد حرجاً في تبرير الجرائم أو التغطية عليها بحجج واهية. الغرب الذي ملأ الدنيا حديثاً عن حرية التعبير، جرّم أي صوت ينتقد إسرائيل، وحاصر المظاهرات، وفصل أساتذة واعتقل ناشطين لمجرد رفضهم الإبادة، بينما فتح المجال على مصراعيه لكل خطاب يمسّ بالإسلام أو يزدري القيم الشرقية. هذه الازدواجية لم تعد خافية، بل أصبحت فضيحة عالمية عرّت النموذج الغربي وأفقدته شرعيته الأخلاقية.
وإذا كان بوكانن قد حذّر من خطر الهجرة على “الهوية الغربية”، فإن الواقع أظهر أن الخطر الحقيقي لم يأتِ من الخارج بل من الداخل، من النفاق السياسي، ومن انكشاف كذب الشعارات، ومن تحول الديمقراطية إلى واجهة تخفي وراءها مصالح استعمارية ومواقف عنصرية.
اليوم لم يعد العالم يقيس قوة الغرب بعدد سكانه ولا بمتانة أسرته، بل بمدى التزامه بالقيم التي يدّعيها، وهنا تكمن الحقيقة: الغرب مات ديمقراطياً لأنه خان مبادئه، ولأن أحداث غزة كشفت أنه لا يساوي بين الدماء، ولا يحترم العدالة إلا حين تخدم مصالحه.
إن موت الغرب ليس كما تصوّره بوكانن قدراً ديموغرافياً محتوم النهاية، بل هو انتحار ديمقراطي اختياري، صنعه بيده، وأعلن من خلاله سقوط النموذج الذي كان يتباهى به على العالم، ومن هذه اللحظة، لم يعد الغرب قادراً على ادعاء قيادة البشرية نحو الحرية، فقد انكشفت حقيقته، وبدأ ميزان الحضارة يميل بعيداً عنه نحو قوى أكثر التزاماً بالعدالة وأكثر استعداداً لحمل لواء الإنسانية.



إرسال التعليق