بريطانيا ودولة فلسطين

رحيم حمادي غضبان

أعلنت بريطانيا مؤخرًا عزمها الاعتراف بدولة فلسطين، في خطوة بدت للكثيرين وكأنها محاولة لتصحيح خطأ تاريخي، إلا أن السؤال الأخلاقي والسياسي الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل من قتل القتيل يمكنه المطالبة بدمه؟ بريطانيا، التي أطلقت وعد بلفور عام 1917، كانت أول من منح “وطناً قومياً لليهود في فلسطين”، متجاهلة تمامًا الوجود التاريخي والسياسي والديمغرافي للفلسطينيين على أرضهم، ومؤسسة بذلك للحظة التأسيس الأولى للمأساة الفلسطينية الحديثة. لقد كان وعد بلفور حجر الأساس القانوني والسياسي الذي شرعن التهجير القسري والتطهير العرقي الذي جرى في النكبة عام 1948، كما مهّد لاحتلال الأرض الفلسطينية وتحويلها إلى ساحة صراع دموي ما زال مستمرًا إلى يومنا هذا. يأتي اليوم اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين وكأنه اعتراف متأخر بخطأ تاريخي جسيم، إلا أن الاعتراف بحد ذاته لا يمحو سجلًا طويلاً من التواطؤ والدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لكيان استيطاني قام على أنقاض شعب وبيوت ومزارع وأحلام، ولا يلغي حجم الانتهاكات التي ارتُكبت تحت صمت دولي أو دعم مباشر من قوى الاستعمار الحديث. وإذا ما نظرنا إلى نص وعد بلفور نفسه، فسنجد أنه تضمن فقرة تنص على ألا يُنتقص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، وهو أمر خالفته بريطانيا نفسها منذ لحظة التطبيق، إذ لم تحفظ للفلسطينيين حقوقهم لا كمواطنين ولا كأصحاب أرض، بل سهّلت تهجيرهم وتفكيك بنيتهم السياسية والاجتماعية، وفتحت الأبواب أمام هجرة يهودية منظمة مسنودة بالسلاح والمؤسسات والبنى التحتية، في الوقت الذي كانت فيه تقمع أي مقاومة فلسطينية لهذا المخطط. من هنا، فإن الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين، إن لم يكن مقرونًا بإجراءات عملية مثل الضغط على الاحتلال لإنهاء الحصار، ووقف الاستيطان، وتقديم الدعم القانوني والسياسي لمحاكمة قادة الاحتلال كمجرمي حرب، فإن هذا الاعتراف سيظل خطوة رمزية لا تعيد الحق لأصحابه ولا تعوّض عن قرن كامل من المعاناة. وعلى المستوى الدولي، فإن هذا الاعتراف قد يشكّل ضغطًا على دول أوروبية أخرى للقيام بخطوات مماثلة، كما قد يدفع نحو تحريك المياه الراكدة في المحافل الأممية، لكن فعاليته تبقى رهينة بموازين القوى ومصالح الدول الكبرى، خاصة في ظل الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، والذي غالبًا ما يحول دون صدور قرارات حقيقية في مجلس الأمن تلزم الاحتلال بإنهاء سياساته العنصرية والعدوانية. أما القانون الدولي، فقد أصبح في حالة اختبار حقيقي، إذ تتوفر اليوم آلاف الأدلة على ارتكاب الاحتلال لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من قتل جماعي، واستخدام مفرط للقوة، وتدمير ممنهج للبنى التحتية، وفرض حصارات جماعية، وانتهاك حق العودة، وكلها موثقة من قبل منظمات دولية مستقلة. غير أن غياب آلية إلزامية لتنفيذ هذه القوانين، وضعف الإرادة السياسية، يجعل من القانون الدولي مظلة شكلية لا أكثر، ما لم يتم تحويل هذه القوانين إلى أدوات حقيقية للمساءلة والمحاكمة والمحاسبة. الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين لا يلغي الماضي، ولا يُسقِط المسؤولية، بل يفتح ملفًا كبيرًا من الأسئلة عن العدالة التاريخية، وعن إمكانية إنصاف شعب سُرق منه وطنه، وقُتل منه مئات الآلاف، وشُرّد الملايين، ولا يزال يعاني حتى اليوم من الاحتلال والتهويد والتجويع والقتل اليومي. فهل يكون هذا الاعتراف نقطة تحوّل حقيقية نحو إنهاء الاحتلال، أم مجرد محاولة لتبييض وجه استعمار قديم بلغة دبلوماسية حديثة؟ هذا ما ستكشفه الأحداث القادمة، ومدى صدق المجتمع الدولي في احترامه لمبادئه، وفي قدرته على فرض العدالة لا المتاجرة بها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك