لماذا الشرق الأوسط الجديد الان؟

ماجد شاكر

لا يتصور الكثير ان مطلب الشرق الأوسط الجديد هو استحقاق على العرب جاء زمن ادائه نتيجة تجربة من الفشل امتدت قرن من الزمان وليس كما يريد البعض ان يصوره على انه ارادة القوى المعادية ومخططاتها التي تريد الشر بالمنطقة الذي لا يخلو من الصحة ولكن هو في حقيقته استثمار لنتيجة الفشل الممتد لقرن مضى من الزمن ٠ منذ انهيار الدولة العثمانية وخروج المجتمعات العربية من آخر حقبة من الخلافة الإسلامية سنة ١٩٢٤ هذا الحدث المشابه للحدث التاريخي الذي حصل للشعوب الأوربية عندما سقطت بيزنطة سنة ١٤٥٤ م على يد محمد الفاتح بهذا التاريخ غادرت الشعوب الأوربية منطقة العصور الوسطى ودخلت العصر الحديث عبر سلسلة من المراحل التي ابدع فيها المفكرون والفلاسفة حتى انتجت لنا الشعوب الأوربية الحضارة الغربية التي لها ما لها وعليها ما عليها ولا تمتلك الانسانية برمتها حضارة غير الحضارة الغربية لحد الان من ضمن ما افرزته هذه الحضارة من معطيات هو الدولة بمفهومها القانوني المجرد وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم الذي اطلق عليه العقد الاجتماعي الذي تطور عبر الجهود الفكرية والفلسفية للعلماء عندما بدا بفصل سلطة الكنيسة عن الدولة إلى أن انتهى بفصل شخصية الدولة عن شخصية الحاكم او الحزب بشكل تام مهما كانت معتقداتهم اي فصل شخصية الدولة عن أي معتقد يحمله الحاكم أو الحزب الذي يصل للسلطة مهما كانت تلك المعتقدات والأفكار واصبحت الدولة تدار من قبل المؤسسات وما الحكومات الا موظفين لدى الدولة ينفذون البرامج التي تطبخ وتنتج عبر المؤسسات ومراكز الأبحاث وهذا المفهوم للدولة هو مفهوم حديث مضى عليه أكثر من ٢٠٠ عام بذلك غادرت البشرية مرحلة بناء السلطة والحكم والعوائل الحاكمة والامبراطوريات إلى مرحلة بناء الدولة بذلك تم حل مشكلة الحكم ومن يحكم ومن يستمد شرعية حكمه ٠ ومن هنا حصل التطور الهائل في كافة المجالات المعرفية والعلمية والتكنلوجية بسبب الاستقرار السياسي والامني وتراكم الخبرات والمعرفة ومشاركة مجموع الشعب دون خوف أو قيد وخلق اقتصاد المعرفة الذي لا ينضب بل يزداد ثرائا يوم بعد يوم ٠الشعوب العربية على وجه الخصوص ومنطقة الشرق الأوسط وبسبب خلل بنيوي ذاتي وما رافقه من عوامل خارجية جعلت من مقاومة الاستعمار الذي جاء بفكر الدولة بمفهومها الحديث إلى مقاومة الحداثة ومقاومة أعمال العقل وتقبل العلم والمنهج العلمي لذا تجد ميزانيات الدولة العربية والإسلامية خالية من اي تخصيصات للابحاث العلمية الا ما ندر ومقاومة اي فكر يدعوا إلى احترام الحريات وحقوق المرأة والطفولة ان حصل تطور في النظم الإدارية ومظاهر المدنية بفعل أموال البترول ومتطلبات الدولة الذي هو مجرد تطور في الشكل الذي لم يرافقه اي تطور في العقلية والمنطق لدى الطبقة الحاكمة لذا تم الانشغال في بناء السلطة وكيفية ادامة الامساك بيها مما تطلب بناء الأجهزة القمعية التي لا هم لها سوى حماية الحاكم القابض على السلطة وان سقطت سلطة مهما كانت أسباب ومبررات سقوطها انتجنا سلطة مماثلة للتي مضت مع زيادة الأساليب القمعية كي لا تسقط هذه السلطة لذا تراكمت لدينا التجارب في بناء السلطة وكيفية الحفاظ عليها على حساب بناء الدولة والحريات العامة والخاصة وكنتيجة طبيعية الحاكم الذي لا هم له غير بناء سلطته وتعزيز قبضته يحتاج من يتحالف معه من القوى التي تمتلك أدوات التسلط مثل القوى القبلية والدينية والاثنية وهكذا حصل التخادم بين كافة القوى التي لا تؤمن بالمفهوم القانوني الحديث للدولة ولا تؤمن بالحريات والتداول السلمي للسلطة وبذلك فشلت المجتمعات العربية من اقامت الدولة بمفهومها القانوني الحديث والمحافظة عليه ٠ الذي لا يمكن أن يلتقي مع مفهوم القبلية والطائفية والاثنية الضيقة وبما ان هذه القوى عندما تصل لحكم اي دولة يكون مصير هذه الدولة الفشل الحتمي خاصة في مجال الاقتصاد وتلبية حاجات الشعب الأساسية مع زيادة النمو السكاني ومتطلبات الحياة تحدث الثورات و الانقلابات ولكن مع الأسف لم يحصل العلاج إلى لب المشكلة وإنما يكون الموضوع برمته استبدال سلطة بأخرى وهكذا على مدار قرن من الزمن ٠ وبسبب هذا الفشل تم النكوص بالمجتمعات العربية والإسلامية نحو الماضي واصبحت كل الحلول عقيمة مع القمع المستمر للحريات ومغادرة أصحاب العقول و الكفاءة مع التطور الهائل للحضارة الغربية ومن اخذ بأسبابها من الشعوب الأخرى أصبحت منطقتنا العربية منطقة فراغ تحتاج من يملئ هذا الفراغ من قبل الذي يمتلك التفوق العلمي والتكنلوجي مع وجود تحالف القوي الرأسمالية والصهيونية أصبحت منطقتنا منطقة حيوية لصراع القوى المختلفة ولم يعد يجدي نفعا استبدال سلطة بأخرى المطلوب صدمة كبيرة تجعل العقل العربي يفيق من غفوته ويؤمن ان تراثه التاريخي أصبح وبالا عليه وانه لابد له الأخذ بالمفهوم القانوني المجرد للدولة ومغادرة عقلية القبلية والطائفية والاثنية وخلق هوية وطنية في أساسها المواطنة والحقوق والواجبات والحكم للمؤسسات و الدستور والقانون يطبق على الجميع مثل الموت والا سوف يتحقق واقع الشرق الأوسط الجديد الذي هو العودة لحكم القبيلة والطائفة والزعامات تتنازعنا القوى الدولية و الإقليمية مثلما كنا بين الدولة الرومانية والساسانية قديما ٠

إرسال التعليق