الجولاني والوصفة النموذج

محمد المناعي
باحث
خلال مرحلة ما قبل العولمة كانت القوى العظمى المركزية تتعامل مع الأطراف وشعوب الجنوب وأنظمته بطرق أكثر بساطة، فقد كان يكفي اقناع حكامها بنموذج اقتصادي واجتماعي ومجتمعي معين وتقوم تلك الأنظمة بالوكالة بصبغ البلاد الاقتصاد والمجتمع بالنموذج المطلوب وفي أقصى الحالات التقلب بين نموذجين متنافسين ومتصارعين في العالم ،حتى التبعية كانت أكثر بساطة فالدولة التي تتبع النموذج الليبيرالي تتأثر في برامجها التعليمية والثقافية بالقوة المركز ،حتى تسلحها وسلعها لها مصدر واحد مهيمن ، الاصلاحات أيضا هي نفسها قروض فاملاءات فتأهيل للمنافسة ففتح للأسواق …
أما التخلص من حاكم لم يعد في مستوى المهمة يكون بترتيب انقلاب من داخل نظامه وينتهي الأمر بتكاليف محدودة في شكل تلميع البديل ويواصل من بعده المسيرة أو يواجه نفس المصير وكان هذا التمشي قاسما مشتركا بين أتباع المعسكرين الغربي والشرقي على حد سواء.
اليوم بعد ذهاب العولمة أشواطا بعيدة وفتحت أعين الشعوب نتيجة ثورات الاتصال والمعلومات وتعولم الفكر وتوزعت التبعيات وشاع حتى السلاح الذي أصبح متاحا للمجموعات الصغرى و اكتشفت الشعوب نفسها من جديد داخل نموذج اتجه نحو الافلاس بعد تورطه في الانقلاب على قيم هو من عمل على ترويجها وأصبح هو نفسه يعيش أزمات داخلية معقدة… أصبح من الصعب المواصلة في التحكم في الشعوب بنفس الطريقة فكان لابد من ايجاد الوصفة النموذج البديلة.
الوصفة النموذج في العالم العربي والاسلامي هي جماعات غير تقليدية تتبنى فكرا له صدى عند العامة وعادة يجمع بين الدين والسياسة و يدغدغ مشاعر البسطاء ويجمعهم بزرع وهم استعادة مجد ما وإثارة تراث كامن في وعيهم الجمعي دون وضوح ، في ذات الوقت تتميز هذه الجماعات بالعمالة لمن صنعها وتمني النخبة التي تتجمع حولها بمنافع ومصالح ومكاسب من مال وسلطة شرط المحافظة على ثنائية التعامل مع الأجنبي ولي النعمة وتسويق الخطاب المغمس بالدين للعامة وهذه المجموعات التي اصطلح على تسميتها بقوى الإسلام السياسي و بالنظر لطابعها الانتهازي تقبل كل المهام الموكولة لها بما في ذلك المهام القذرة الأكثر دموية لكن أيضا المهام ذات السطح الناعم مثل الظهور بمظهر الديمقراطية والمشاركة في الانتخابات وقبول ظاهريا وشكليا للتنوع الفكري والسياسي والانخراط في الجمعيات والنقابات وجهاز الدولة الديمقراطية الحديثة بجميع مكوناته وهذا ما قامت به الجماعات الاخوانية في فترة ما.ويصل بها الأمر إلى تكفير الناس وتذبيحهم أمام شاشات الكاميرا ورفع السلاح ضد الدولة وضد الشعب إذا لزم الأمر وهذا ما قامت به القاعدة وداعش والنصرة وبوكوحرام ومثيلاتها في الجزائر وسوريا والعراق وليبيا وأفغانستان ودول الساحل الافريقي، كما يمكن لهذه الجماعات الانفتاح على بعضها وتغذية بعضها البعض وذلك بالتنقل بين المستوى الأول والثاني بسهولة بالجمع بين المظهر الديمقراطي والتورط في الارهاب أو الارهاب والظهور بربطات العنق والتفاوض وخطاب أملس مرن ديموقراطوي.
هذا النموذج نجح تطبيقه في أفغانستان برعاية الخارجية الأمريكية ونجح في الوصول إلى السلطة في بعض الدول وآخرها في سوريا ومازال نموذجا ممكن الترويج وله سوق في صفوف العوام سهل الهضم سرعان ما يصنع لنفسه حاضنة شعبية ويستقطب الأمي الحالم ب”حكم الشريعة” والمضطهد الفار من حكم الاستبداد العسكري والعائلي والانتهازي الطامع والطامح لمكاسب وجاه ونصيب من السلطة والنفوذ.
هذا النموذج هو واحد من تمظهرات ما بعد العولمة حيث تطفو العصبيات المحلية لتسود ظاهريا كقوى مقاومة للهيمنة المركزية وهو ما يثير النعرات البدائية القبلية والطائفية والدينية لكن فعليا هي وكالات للقوى العظمى وألية جديدة للهيمنة والاستعمار. .
صورة الجولاني بسوريا والذي مر من داعش إلى القاعدة إلى هيئة تحرير الشام وجميعها جماعات ارهابية مسلحة وظيفية معلنة وصولا إلى حكم دمشق وارتداء ربطة العنق واستقبال السفراء والوزراء والاستناد على حكومة على النمط المدني بجوهر متطرف وخطاب مهادن مطمئن ومصادق للقوى التي تحتل بلده من الكيان الصهيوني إلى تركيا وأمريكا ومخدرا للعامة في سوريا وخارجها بفكرة التحرير من الاستبداد والثورة وتحكيم الشريعة مازالت صورته قابلة للتسويق والنسخ والتعديل إن لزم الأمر والتعميم في دول أخري من نفس القوى لتحقيق نفس الأهداف.



