حزب الدعوة: المنظمة الغامضة
ليث الجادر
ليست العلاقة الوثيقة بين الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الدعوة العراقي دليلاً على أن قدرات الحزب نتاج مباشر للثورة الإسلامية أو امتداد نظري لها، كما جرت العادة في الكثير من التحليلات. بل إن هذه العلاقة تشكّلت ضمن توازنات لاحقة على تأسيس الحزب، خصوصًا بعد خروجه من العراق وإقامته في إيران ما بعد 1980، أي بعد مضي أكثر من عقدين على ولادته التنظيمية.
تاريخيًا، لا يمكن تفسير نشوء حزب الدعوة كاستجابة طبيعية لتحولات المرجعية الشيعية أو كنتاج لحراك اجتماعي شيعي عراقي نقي، بل الأقرب للواقع – بما تتيحه الوثائق وشهادات الأعضاء المنشقين والخرائط الغامضة لتنظيمه – أن الحزب قد شُيّد على هيئة تنظيم فوق وطني، مغلق، محصّن، يعمل بنظام حلقات متداخلة، تُحجب فيها المعلومة بين المستويات التنظيمية عموديًا، ولا يُعرف القائد الأعلى إلا لمن هم في “القيادة الخاصة” أو “الدائرة المغلقة”.
هذه البنية تتجاوز منطق التنظيم العقائدي أو الحزبي المألوف حتى ضمن الجماعات الإسلاموية، وتدخل في حقل التنظيمات فائقة السرية التي تشبه منظمات الظل التابعة لأجهزة مخابرات أو شبكات دولية. وهو ما يدفعنا إلى طرح فرضية منهجية مفادها أن حزب الدعوة لم يكن سوى مشروع هندسة استخباراتية بريطانية لاختراق الشيعة سياسيًا، تمامًا كما جرى مع الإخوان المسلمين السنّة، الذين وفّرت لهم بريطانيا مظلّة للتمدّد السري في مصر والخارج منذ ثلاثينيات القرن العشرين.
وقد تمحور دور الحزب، منذ بدايته، حول بناء هويات فرعية مغلقة داخل الطائفة الشيعية، تؤمّن له التحكم عبر شبكة علاقات دينية–تنظيمية–مالية، مستندًا إلى “فقه الدعوة” لا فقه الدولة، أي إعادة إنتاج الحوزة بلغة السرية والتكتم والانقياد التام، تحت سلطة لا يمكن الطعن فيها إلا باعتبارها طعنًا في الدين نفسه.
كان الحزب يتحدث عن الإمامة بمفهوم تنظيمي جديد، ويعيد تمثيل الحوزة عبر التراتبية القيادية، والسمع والطاعة، و”الولي الفقيه الحزبي” الذي قد لا يكون معروفًا حتى لأقرب القيادات. وهو ما يجعل الحزب أقرب إلى أن يكون كيانًا هندسيًا ذكيًا لإعادة تشكيل الوعي السياسي الشيعي وتوجيهه بعيدًا عن إمكانات التشكل الثوري الحقيقي.
وبذلك، فإن “إسلامية الحزب” ليست إلا قناعًا، بينما حقيقته في بنيته وطريقة تجنيده وتعقيداته التنظيمية تشير إلى بنية خارجة عن السياق الاجتماعي العراقي ذاته، نمت فيه ولكن لم تنبت منه. ومن هنا نفهم كيف تمكن الحزب من إعادة التكيف في كل مرحلة، ومع كل تحالف، ومن كل منفى، دون أن ينهار أو يُخترق، حتى بعد تحوله إلى سلطة بعد 2003.
إنه ليس مجرد حزب، بل منظمة غامضة، تأسست على يد “جهة خفية” أكثر مما تشكلت على يد “بيئة طائفية”، وتلك الجهة ربما لم تكن بعيدة يومًا عن غرف لندن الخلفية.
: التنظيم الداخلي لحزب الدعوة… آلية ظاهرها انتخابي وجوهرها مغلق
رغم إعلان حزب الدعوة عن وجود آلية انتخابية داخلية تحدد قياداته ومراكز القرار فيه، إلا أن استقراء التفاصيل الإجرائية لهذا “النظام الداخلي” يكشف عن نموذج مشوّه للممارسة السياسية، يتموضع بين الشكل الانتخابي والجوهر التسلّطي، في اتساق تام مع فرضيتنا التي ترى الحزب كتنظيم مغلق يقترب في هيكليته من البنى الشبه استخباراتية أكثر من كونه حزبًا سياسيًا بالمعنى المؤسسي.
يمكن استخلاص عدد من الملاحظات النقدية الأساسية:
- انتخابات من دون ديمقراطية: شرعية شكلية لا تمثيلية
النظام الداخلي يفصل السلطة الانتخابية عن القاعدة الحزبية، إذ يُحرم أغلب أعضاء الحزب من حق الانتخاب، ويُقصر ذلك على أعضاء “المؤتمر العام”، الذين لا يتم انتخابهم أصلاً، بل يُعيّنون بناءً على معايير فردية تتضمن شرطين فنيين وشرط ثالث “أخلاقي/روحي” فضفاض، لا يمكن التحقق من صدقيته أو قياسه، ما يفتح الباب واسعًا أمام المزاجية التنظيمية، بل والتصفية المقنّعة.
- تمثيل مفقود ومركزية مفرطة
لا يشترط النظام تمثيلًا مناطقيًا داخل المؤتمر العام، ولا يضمن حضورًا جندريًا، ولا يُلزم بتوزيع الكفاءات، ما يعني أن المؤتمر ليس مرآة للتنظيم، بل واجهة مغلقة تنتج طبقة فوقية مغلّفة بلغة الشرعية التنظيمية. هذه التركيبة تجعل الحزب أقرب إلى تنظيم طبقي حزبي مصلحي، يُنتج نُخَبه بعيدًا عن أي تفويض حقيقي.
- مجلس الشورى: ممر إجباري نحو القمة
رغم أن المؤتمر العام هو أعلى سلطة تنظيمية، إلا أن دوره الانتخابي ينحصر فقط في اختيار “مجلس الشورى”، الذي يحتكر لاحقًا مفاتيح القرار القيادي، بما فيها اختيار الأمين العام ونائبه وهيئة التقويم. بهذا، يُفرغ المؤتمر من محتواه السيادي، ويصبح أقرب إلى بوابة شكلية لإعادة إنتاج قيادة مغلقة.
- حذف “الاقتراع السري” وطمس الشفافية
تعديل النظام الداخلي عام 2013، بحذف بند “الاقتراع السري”، هو لحظة مفصلية تُظهر بوضوح انزياح الحزب عن أبسط آليات الشفافية الداخلية. غياب آلية ترشيح معلنة أو نقاشات مفتوحة حول الأسماء القيادية، يُفقد الحزب أي مضمون ديمقراطي تداولي، ويعزز ثقافة الغرف المغلقة، وانتقال السلطة عبر مسارات غير معلومة، أو مفروضة سلفًا.
خلاصة نقد التنظيم الداخلي
إن القراءة التحليلية لهذا النموذج التنظيمي تكشف أن حزب الدعوة، وإن زعم اعتماد مبدأ “الانتخاب”، إلا أنه لا ينتج سوى نمط سلطوي مغلق من “التمكين الهرمي”، يفتقر للتمثيل، ويغيب فيه الصوت القاعدي، وينعدم فيه التنافس العلني. هذه الخصائص تتسق بدقة مع طبيعة التنظيمات شديدة الانغلاق، التي تُدار بعقل استخباري، وتُبقي دوائر القرار والتمويل والقيادة خارج متناول العضو العادي.
وهذا الانغلاق ليس انحرافًا عابرًا بل بنية مقصودة، تؤكد فرضيتنا بأن حزب الدعوة لم يتشكل كحزب جماهيري إصلاحي، بل كـتنظيم سري–أمني، يُستخدم ويُدير، أكثر مما يُمثّل ويُخاطب قواعده.


إرسال التعليق