الحكمة التي غير وجه الصين
صلاح الدين ياسين
باحث
بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 على يد ماو تسي تونغ، اتبعت البلاد سياسات اشتراكية متطرفة، مثل “القفزة الكبرى إلى الأمام”، و”الثورة الثقافية”، والتي أدت إلى عزلة دولية، ومجاعات، وفقر كبير. وبعد وفاة ماو عام 1976، بدأ صراع على السلطة انتهى بصعود دينغ شياو بينغ (1904 – 1997) إلى القيادة الفعلية للبلاد، والذي يُعد المؤسس الحقيقي للنهضة الصينية الحديثة.
أولا: إصلاحات دينغ شياو بينغ
كان شعار دينغ الشهير: “لا يهم إن كانت القطة سوداء أو بيضاء طالما أنها تصطاد الفئران”، وهو ما يعكس نهجه البراغماتي في الحكم، إذ ابتعد عن الشعارات الإيديولوجية المتطرفة، وركّز على النتائج العملية. كما أطلق مبدأ “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، والتي تعني استخدام أدوات السوق والرأسمالية ضمن إطار اشتراكي تجسده الهيمنة السياسية للحزب الشيوعي على مقاليد الحكم. وقد ارتكزت سياسته الإصلاحية على عدة محاور:
- إصلاح الزراعة: استبدال النظام الجماعي بنظام “المسؤولية العائلية”، حيث أصبح للفلاحين الحق في الاحتفاظ بالفائض من إنتاجهم وبيعه. أدى هذا الإصلاح إلى زيادة الإنتاج الزراعي بشكل كبير، وتحسين مستوى معيشة الملايين من الفلاحين.
- التخفيف من قبضة الدولة على الاقتصاد: تم اتخاذ عدة إجراءات في هذا الصدد، كالسماح للأسعار بأن تتحدد وفقاً لآليات العرض والطلب في العديد من القطاعات.
- المناطق الاقتصادية الخاصة: في خطوة جريئة، تم تحديد مناطق ساحلية معينة (مثل شنتشن، تشوهاي، شيامن، وشانتو) كمناطق اقتصادية خاصة في أوائل الثمانينيات. مُنحت هذه المناطق صلاحيات اقتصادية أوسع، وحوافز ضريبية، وبنية تحتية متطورة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر والتكنولوجيا المتقدمة، مما أدى إلى توطين الصناعة محليا.
- الانفتاح على العالم الخارجي: شجعت الصين التجارة الخارجية، والانضمام إلى المنظمات الاقتصادية الدولية، وإرسال الطلاب للدراسة في الخارج، واستقدام الخبرات الأجنبية، إذ أصبحت اليوم من أشرس المدافعين عن نظام العولمة التجارية.
ثانيا: نتائج النهضة الصينية
منذ بداية الإصلاحات وحتى وفاة دينغ عام 1997، نما الاقتصاد الصيني بمعدلات غير مسبوقة، وتحولت الصين إلى “مصنع العالم”. خرج مئات الملايين من دائرة الفقر، وتحسنت مستويات المعيشة بشكل كبير، حيث شهد المواطن الصيني تحسناً كبيراً في متوسط الدخل، وتوفر السلع الاستهلاكية، وتحسن الخدمات الصحية والتعليمية، وزيادة متوسط العمر المتوقع. كما تسارعت وتيرة التحضر، ونشأت مدن جديدة ضخمة. وبفضل قوتها الاقتصادية المتنامية، استعادت الصين دورها كلاعب رئيسي على الساحة الدولية.
ثالثا: التحديات المطروحة
لم تخلُ مسيرة النهضة الصينية من تحديات وانتقادات، مثل اتساع الفجوة في الدخل، إذ أدت آليات السوق إلى ظهور تفاوت كبير في الثروات بين الأفراد والمناطق، حيث تركز النمو بشكل أكبر في المناطق الساحلية مقارنة بالمناطق الداخلية. وعلى الرغم من الانفتاح الاقتصادي، ظل النظام السياسي وفيا لنهجه الاستبدادي، فقد عرفت فترة دينغ مطالبات بالإصلاح السياسي والديمقراطية، بلغت ذروتها في احتجاجات ميدان تيانانمن عام 1989، والتي جرى قمعها بوحشية مفرطة.
وفي المجمل، يُعتبر دينغ شياو بينغ أحد أعظم الإصلاحيين في القرن العشرين. لم يكن خطيبًا مفوهًا ولا قائدًا عسكريًا كاريزميًا، لكنه كان رجل دولة تحلى بالواقعية والنجاعة الاقتصادية. استمر خلفاء دينغ، وآخرهم الرئيس الحالي شي جين بينغ، بالسير على نهج “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، مع التركيز على معالجة بعض التحديات التي أفرزتها عملية النمو السريع، مثل التفاوت الاجتماعي، والتدهور البيئي، والفساد.



إرسال التعليق