التوظيف السياسي والأمني للنصوص التوراتية في خطابات نتنياهو . الأبعاد التوسعية وسيناريوهات محتملة للردع .
عقول الرافدين
التسويق التوراتي (Biblical Marketing) في الخطابات السياسية الإسرائيلية هو أسلوب خطابي وسياسي تستخدمه بعض التيارات الإسرائيلية (خاصة اليمينية والدينية والقومية) لتبرير المطامع السياسية والجغرافية لإسرائيل عبر ربط المشروع الصهيوني الحديث بالرواية التوراتية بشكل انتقائي ومُوجَّه. يعتمد على توظيف الرموز والحكايات الدينية اليهودية من التوراة (العهد القديم) لتقديم رواية تُصوِّر دولة إسرائيل وكأنها تحقيق لوعد إلهي عبر تقديم وجود إسرائيل في فلسطين على أنه إنجاز لوعد الله لإبراهيم ونسله (سفر التكوين) بامتلاك أرض كنعان ، ومن جهة أخرى استمرار للمملكة التوراتية عبر تصوير إسرائيل الحديثة كدولة يهودية وريثة لمملكتي داود وسليمان المذكورتين في التوراة.
الهدف الآخر هو تأكيد الحق التاريخي المطلق (المزعوم) باستخدام قصص الآباء (إبراهيم، إسحاق، يعقوب) والخروج من مصر والفتوحات لخلق سردية عن حق تاريخي لا يُنازَع لفترة ما قبل آلاف السنين، يتجاوز الحقوق القانونية أو التواجد الفعلي للسكان الأصليين (الفلسطينيين).
ان اطلاق تسمية جغرافية ذات دلالة دينية للمناطق (مثل يهودا والسامرة بدلاً من الضفة الغربية او أرض إسرائيل بدلاً من فلسطين التاريخية) جاء لتعزيز فكرة الانتماء الديني-التاريخي وتهميش التسميات العربية أو الرومانية أو العثمانية. اضافة إلى تأطير الصراع في سياق ديني أسطوري عبر تصوير النزاع مع الفلسطينيين والعرب على أنه استمرار لصراع قديم بين أبناء إسرائيل والكنعانيين أو الشعوب الأخرى المذكورة في التوراة، مما يعطيه بُعدًا مصيريًا ودينيًا يتجاوز السياسة.
لقد اصبح التسويق التوراتي آلية دعائية وسياسية تستخدمها إسرائيل لتقديم مشروعها القومي الحديث وكأنه تحقيق حرفي ومستمر للنبوءات والوعود التوراتية بهدف كسب الشرعية الداخلية والخارجية وتبرير سياساتها، خاصة التوسع الاستيطاني، متجاوزةً بذلك الحقائق التاريخية الأكاديمية والقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.
أهدافه الرئيسية
- التأثير الداخلي: تعزيز الشرعية السياسية للتيارات اليمينية والدينية بغية حشد الدعم الشعبي (خاصة بين المتدينين والمستوطنين) لمشاريع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية وتقديمها كواجب ديني وتاريخي .
- التأثير الخارجي: تقديم رواية جذابة عاطفيًا ودينيًا للجمهور اليهودي في الشتات وللمسيحيين الإنجيليين المؤيدين لإسرائيل لتبرير سياسات إسرائيل وتُضعف القضية الفلسطينية القائمة على الحقوق الوطنية والقانون الدولي .
- خلق هوية جماعية: استخدام الأسطورة التوراتية كأداة لبناء هوية قومية إسرائيلية حديثة متجذرة في عمق تاريخي (متصور).
اما الانتقادات لهذا المفهوم فهي : - انتهاك الفصل بين الدين والدولة: استخدام الدين كأداة سياسية صريحة.
- تزييف التاريخ: تجاهل الفجوات التاريخية الكبيرة والانتقادات الأكاديمية لربط أحداث التوراة بشكل حرفي بالجغرافيا الحديثة وتجاهل حقب تاريخية طويلة (مثل العهدين الروماني والإسلامي).
- تجاهل السكان الأصليين: إنكار وجود الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية والقانونية عبر التركيز فقط على الرواية اليهودية التوراتية.
- عقبة أمام السلام: تقديم المطالب الإسرائيلية (خاصة المتعلقة بالقدس والمستوطنات) على أنها حقوق مقدسة غير قابلة للتفاوض، مما يُعقّد إمكانية التوصل إلى حلٍّ تفاوضي.
- استغلال ديني: توظيف النصوص المقدسة لأغراض سياسية قومية توسعية.
أمثلة تطبيقية
١. تسمية الاراضي المحتلة في الضفة الغربية بأسماء توراتية (مثل أريئيل، بيت إيل، شيلو).
٢. الإشارة المتكررة إلى القدس الموحدة والعاصمة الأبدية للشعب اليهودي مستندة إلى رواية داود (ضعيفة) في التوراة.
٣. صياغة خطابات سياسية توظيفية تؤكد أن (هذه الأرض كانت لنا منذ عهد إبراهيم) أو أن الاستيطان هو عودة إلى أرض الآباء
٤. استخدام خرائط أرض إسرائيل الكبرى (الموهومة) التي تستند إلى حدود المملكة التوراتية المزعومة.
آليات التسويق التوراتي في خطابات نتنياهو
يعتمد نتنياهو بشكل مكثف على التسويق التوراتي في خطاباته لتعزيز الرواية القومية الإسرائيلية وتبرير سياساته العدوانية والاستيطانية خاصةً فيما يتعلق بالقدس والصراع مع الفلسطينيين. وكما سنوضح ادناه :
١. الربط بين الجغرافيا السياسية والخرائط التوراتية : عبر توظيف أسماء توراتية للأراضي المحتلة (مثل تسمية الضفة الغربية يهودا والسامرة) لتعزيز فكرة الاستمرارية التاريخية . على سبيل المثال، في خطاب أمام الأمم المتحدة (2017)، رفع نتنياهو خريطة توراتية مزعومة لمملكة إسرائيل الموحدة بحدودها التوراتية الممتدة من النهر إلى البحر، مدعياً أنها (شهادة على حقه التاريخي في هذه الأرض) .
٢. استخدام الرموز الدينية لشرعنة السياسات: عبر ربط القرارات السياسية بالرموز التوراتية (مثل القدس، جبل الهيكل، المستوطنات).على سبيل المثال، عند إعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس (2018)، صرح: القدس كانت عاصمتنا منذ 3000 عام، منذ أيام داود الملك متجاهلاً الحقبة الفلسطينية والعربية للمدينة.
٣. تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني أسطوري: عبر تصوير إسرائيل كالشعب المختار الذي يواجه أعداءً توراتيين (عماليق – هامان) وإسقاط هذه الصورة على فلسطين وايران. على سبيل المثال، في خطاب عن التهديد الإيراني (2020)، ذكر نتنياهو : نواجه اليوم هامان الجديد (في إشارة إلى إيران) الذي يريد إبادة شعب إسرائيل مستخدماً قصة سفر أستير التوراتية في تسويق خطابه.
٤. توظيف الحكايات التوراتية لتبرير الاستيطان: عبر تقديم المستوطنات المحتلة كعودة إلى أرض الآباء المذكورة في التوراة. على سبيل المثال، عند افتتاح مستوطنة (حلميش) في الضفة الغربية (2017)، أعلن نتنياهو: نحن هنا في بيت إيل حيث نام يعقوب وحلم بالسُلّم . هذه ليست مستوطنة، هذه هويتنا!
٥. الإشارات المباشرة إلى (الوعد الإلهي) : عبر الاستشهاد بنصوص توراتية (خاصةً وعود الله لإبراهيم) لتبرير احتلال الأرض الفلسطينية، على سبيل المثال، في خطاب بمناسبة (يوم القدس 2020)، اقتبس نتنياهو من سفر التكوين :لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ 15:18)، كتسويق خطابي .
٦. تأطير الدولة الحديثة كتحقيق نبوءة مزعومة : عبر تقديم إسرائيل كإحياء للمملكة التوراتية وإنجاز للنبوءات الدينية. على سبيل المثال، في احتفال الاستقلال 2019)، صرح نتنياهو:بعد 2000 عام من الشتات، حققنا المعجزة مملكة داود عادت لتزدهر !
٧. التلاعب باللغة لطمس الواقع السياسي: عبر استخدام مصطلحات توراتية بديلة عن التسميات الدولية (مثل أورشليم بدلاً من القدس الشرقية المحتلة) . على سبيل المثال، في خطاب بالكونغرس الأمريكي (2015)، وصف نتنياهو القدس الشرقية بأورشليم الموحدة، القلب الأبدي لشعبنا منذ أيام داود .
الأهداف الاستراتيجية لآليات التسويق التوراتي في خطابات نتنياهو - تعبئة اليمين الديني: كسب دعم المستوطنين والمتدينين اليهود.
- استقطاب المسيحيين الإنجيليين: الذين يؤمنون حرفياً بالنبوءات التوراتية عن عودة اليهود إلى صهيون .
- تقويض الرواية الفلسطينية: عبر تحويل الصراع من قضية احتلال إلى صراع وجودي مقدس .
- تجنب النقاش القانوني: باستبدال القانون الدولي بشرعية توراتية غير قابلة للنقاش.
لكن أهداف نتنياهو أعلاه تواجه بانتقادات واضحة وواقعية ومثبتة وهي : - تزوير التاريخ: علمياً، لا يوجد إثبات على وجود مملكة داود الموحدة بخرائطها وبحدودها المزعومة.
- استغلال الدين: تحويل النصوص المقدسة إلى أداة لتبرير التوسع الاستيطاني.
- تأجيج الصراع: تعزيز رواية الصراع الأبدي التي تُعقّد حل الدولتين.
باختصار، حوّل نتنياهو التسويق التوراتي إلى آلة دعائية متطورة مستخدماً الخطاب الديني لخلق شرعية بديلة عن الشرعية الدولية، وليُلبس المشروع الاستيطاني ثوب القداسة التاريخية المزعومة.
التوظيف السياسي والأمني لخطابات نتنياهو المؤدلجة توراتياً
يعمل نتنياهو على تحويل الخطاب التوراتي إلى أداة سياسية وأمنية متعددة الأبعاد تخدم أهدافاً عملية على الأرض وتُعيد تشكيل الواقع لصالح المشروع الصهيوني. ادناه نقاط التوظيف:
١. تأسيس شرعية دينية مفترضة) للاحتلال والاستيطان: - الآلية: تحويل المستوطنات من انتهاك للقانون الدولي (طبقاً لقرارات الأمم المتحدة) إلى حق مقدس مستمد من التوراة.
- التطبيق: تمويل وتوسيع المستوطنات في مواقع توراتية مثل خربة حفصة (قرب أريحا) أو حي سلوان بالقدس، مع تصريحه: نبني في قلب أورشليم التاريخية حيث سار أنبياؤنا (افتراضي) . وإصدار قوانين مصادرة أراضٍ فلسطينية تحت ذريعة الحفاظ على التراث اليهودي .
٢. تسويغ العنف عبر أسطرة الصراع - الآلية: تصوير العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين كحرب دفاعية مماثلة لحروب التوراة ضد أعداء إسرائيل المزعومين .
- التطبيق: خلال حرب غزة ٢٠٢١، وصف نتنياهو المقاومة الفلسطينية بأنها (هجوم عمّاليق الجديد) في إشارة إلى القبيلة التوراتية التي أمر الله بإبادتها في سفر صموئيل). كما استخدام مصطلحات مثل $الجيش الإسرائيلي) مع ربطه بجيش يهوه القديم في تسويق توراتي تحريضي .
٣. بناء تهديد وجودي عبر تسويق ديني لتعزيز الوحدة الداخلية : - الآلية: توحيد الإسرائيليين ضد عدو مشترك عبر تصوير حماس كتجسيد لهامان أو جوليات التوراتي.
- التطبيق: في ٢٠٢٣، صرح نتنياهو أمام الكنيست: إيران تريد تدميرنا كما حاول فرعون وفشل…سننتصر كداود انتصر على جوليات وقد استخدم هذا الخطاب لتمرير ميزانيات أمنية ضخمة وقوانين الطوارئ تصب لصالح حزبه
٤. التطبيع الديني للقدس المحتلة : - الآلية: تحويل السيطرة على المسجد الأقصى/جبل الهيكل إلى حق ديني غير قابل للتفاوض .
- التطبيق: دعم اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حراسة الجيش ووصفها بأنها إعادة التواصل مع أقدس مواقعنا كما قام نتنياهو بتشريع قوانين تمنح السيادة الإسرائيلية الكاملة على القدس، مستنداً إلى سفر المزامير: أورشليم مبنية كمدينة متصلة .
٥. تجنيد المسيحيين الإنجيليين دعمًا عسكرياً وسياسياً : - الآلية: توظيف الإيمان المسيحي بنبوءات نهاية الزمان (التي تتطلب هيمنة يهود على القدس) في خطابات نتنياهو لخلق تحالفات استراتيجية.
- التطبيق: تلقي دعم مالي من منظمات إنجيلية أمريكية لبناء المستوطنات وتسويق خطاباته في مؤتمرات (أصدقاء إسرائيل المسيحيين) لتبرير الضربات العسكرية على فلسطين قائلا: أنتم شركاء في تحقيق نبوءة حزقيال عن إسرائيل القوية .
٦. إعادة كتابة الرواية التاريخية للأرض : - الآلية: محو التاريخ الفلسطيني عبر استبداله بالسرد التوراتي في المناهج التعليمية والخرائط الرسمية .
- التطبيق: تغيير لافتات الشوارع في القدس والضفة الغربية لأسماء توراتية (مثل طريق الآباء بدلاً من طريق نابلس) وتمويل حفريات (آثارية) تحت الأحياء الفلسطينية لإثبات الوجود اليهودي القديم .
لقد حوّل نتنياهو الخطاب التوراتي إلى سيف ذو حدين قام بتوظيفه داخلياً كأداة قمعية لتبرير استعماره الاستيطاني واحتلال الأراضي الفلسطينية من جهة ، وخارجياً وظّفه كسلاح دعائي يشتت الانتباه عن انتهاكاته القانون الدولي. ان هذه الاستراتيجية لا تسرق الأرض الفلسطينية فحسب بل تسرق التاريخ نفسه وتُعيد تخليقه لخدمة أيديولوجية توسعية.
أبعاد التسويق التوراتي في خطاب نتنياهو وعلاقته بالمشروع التوسعي في الأردن وسوريا ولبنان
يعمل خطاب نتنياهو التوراتي كنواة أيديولوجية للمشروع التوسعي الإسرائيلي والذي لم يقتصر على فلسطين التاريخية بل يمتد إلى الأردن وسوريا ولبنان عبر ربط التوسع الجغرافي بالحدود التوراتية المقدسة المزعومة وكما مبين في ادناه :
١. الأساس التوراتي للتوسع: أرض إسرائيل الكبرى : - المرجعية: سفر التكوين (مزعوم) الذي حدد أرض الميعاد من نهر النيل إلى الفرات شاملاً سيناء المصرية، الأردن، أجزاء من سوريا والعراق ولبنان).
- توظيف نتنياهو: في خطاب 2019: حقنا التاريخي يمتد حيث مشى آباؤنا: من دان إلى بئر سبع (دان في شمال فلسطين/لبنان، بئر سبع في النقب). حيث استخدام خرائط وهمية صنعها وفق رؤية استيطانية توسعية في مؤتمرات حزبه الليكود تُظهر مملكة داود المزعومة الممتدة إلى جنوب لبنان (صيدا وصور) وهضبة الجولان.
٢. الأردن: أرض عمون ومؤاب التوراتية المغلوطة:
توظيف نتنياهو : تصوير الأردن كجزء من أرض إسرائيل عبر ربطه بممالك عمون ومؤاب التوراتية (رواية وهمية) - مؤشرات التوسع: دعم مشاريع الاستيطان في غور الأردن (2020) تحت ذريعة حماية الحدود الشرقية لأرض إسرائيل . حيث صرح نتنياهو (2023): ان غور الأردن هو درعنا الاستراتيجي والجغرافي منذ أيام يشوع بن نون وقد نجح هذا التسويق في حصوله على تمويل منظمات مثل (عيليت شاحار) التي تنشر خرائط مغلوطة تدمج الأردن مع إسرائيل.
٣. سوريا: هضبة الجولان كبَشَان التوراتية : - المرجعية المزعومة : سفر التثنية حيث تُوصف بَشَان (الجولان) كمملكة الملك عوج التي احتلها بنو إسرائيل (لم يتم ذكرها)
- توظيف نتنياهو : إعلان ضم الجولان (2019): الجولان سيكون للأبد تحت السيادة الإسرائيلية… هذه أرض أجدادنا وتسمية المستوطنات بأسماء توراتية (مثل راموت جلعاد على أنقاض القنيطرة). وحصل على دعم جماعات ضغط أمريكية لإدراج الجولان كأرض إسرائيلية في الوثائق الرسمية.
٤. لبنان: من أرض الزوبطونيين إلى المياه : - المرجعية : أسطورة توراتية وهمية تصف جنوب لبنان كأرض الصيدونيين والزوبطونيين التي يجب إخضاعها.
- توظيف نتنياهو: مطالبة إسرائيل بحقول الغاز البحرية قبالة شواطئ لبنان مستندة إلى الحدود التوراتية لتحقيق منافع اقتصادية . حيث ذكر في خطابه 2022): نهر الليطاني كان ضمن حدود مملكتنا القديمة موارده حق لنا . وكنتيجة هي عمليات عسكرية في جنوب لبنان تحت شعار ملاحقة بقايا الكنعانيين !!
النقد العلمي والأكاديمي لتسويق نتنياهو التوراتي : - علم الآثار ينفي وجود مملكة موحدة لداود وسليمان تمتد من النيل إلى الفرات (بروفيسور إسرائيل فنكلشتاين).
- مصطلح أرض إسرائيل لم يظهر إلا في العصر الهلنستي (القرن 2 ق.م)، أي بعد التوراة بقرون.
- المخاطر الجيوسياسية: تحويل الصراع إلى حرب دينية عابرة للحدود (مشروع الشرق الأوسط الجديد يتعارض معه).
- تهديد الأمن المائي والغذائي العربي عبر السيطرة على أنهار الأردن والليطاني.
يهدف نتنياهو إلى تحويل التسويق التوراتي إلى بوصلة توسعية تهدف إلى إضفاء الشرعية الدينية على احتلال أراضي عربية خارج فلسطين وإنشاء كيانات طائفية متطرفة تمهد لتفتيت الدول المجاورة (مشروع الأردن البديل وتقسيم سوريا). كما يسعى إلى تسويق التوسع كاستعادة تاريخية للمجتمعات الغربية بدلاً من وصفه بالاحتلال . ان هذا المشروع لا يستند فقط إلى القوة العسكرية، بل إلى إعادة تخيل الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر عدسة توراتية أسطورية موهومة .
موقف المجتمع الدولي من نتنياهو وتسويقه التوراتي وخططه التوسعية
موقف المجتمع الدولي من خطاب نتنياهو التوراتي يتسم بالازدواجية والانقسام الحاد بين دعم غربي انتقائي ورفض واسع من الأمم المتحدة ومعظم دول العالم مع تصاعد انتقادات من مؤسسات حقوقية ودينية. ادناه سنبين ذلك :
١. الولايات المتحدة :
دعم سياسي شبه مطلق تحت ضغط اللوبيات والمسيحيين الإنجيليين ومنه اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل (2017) وضم الجولان (2019). كما مرر الكونغرس مساعدات عسكرية سنوية بقيمة 3.8 مليار دولار رغم انتقادات الخطاب التوراتي.
٢. الاتحاد الأوروبي :
إدانة رسمية مع امتناع عن عقوبات فعلية . تصريح الممثل الأعلى للاتحاد (2021): الاستيطان غير قانوني.. والخطاب التوراتي يقوض حل الدولتين وقد أفضى ذلك إلى تجميد مشاريع تعاون مع المستوطنات.
٣. الأمم المتحدة :
إدانة متكررة عبر قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ومنها القرار 2334 (2016): يشجب الاستيطان ويحذر من (تزوير التاريخ) اضافة إلى تقارير اليونسكو تؤكد هوية القدس الإسلامية-المسيحية.
٣. العالم العربي :
رفض قاطع وخاصة من العراق ، مع تفاوت في المواقف السياسية لدول التطبيع (الإمارات، المغرب) التي تنتقد الخطاب لكن دون تراجع عن الاتفاقات .
٤. أمريكا اللاتينية :
تصاعد في الإدانة وقطع العلاقات اذ قامت بوليفيا وكولومبيا بسحب سفراءهما (2023) احتجاجاً على (التوسع تحت غطاء ديني) .
مواقف المؤسسات غير الحكومية
١. هيومن رايتس ووتش: خطاب نتنياهو التوراتي أداة لتبرير الفصل العنصري (تقرير 2021).
٢. بتسيلم: التسويق التوراتي يُستخدم لطمس جرائم الحرب ضد الفلسطينيين .
٣. الفاتيكان: يُعارض ربط الصراع بالتفسيرات التوراتية، ويؤكد على حقوق المسيحيين الفلسطينيين.
٤. مجلس الكنائس العالمي:الاستخدام السياسي للتوراة يشوه الدين ويعيق السلام (بيان 2020).
٥. اتحاد علماء الآثار الأوروبيين: الادعاءات التوراتية التي يروجها نتنياهو تفتقر للأدلة العلمية (2022).
كيف يستغل نتنياهو الانقسام الدولي؟
١. التلاعب بالهوامش السياسية: استخدام الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن لإسقاط أي قرار يدين الاستيطان (استُخدم 45 مرة منذ 1972).
٢. تحويل الانتقادات إلى معاداة للسامية : نقد للخطاب التوراتي يُوصم باللاسامية لخنق المعارضة (مثل قانون معاداة السامية في ألمانيا 2023).
٣. تعزيز التحالف مع اليمين المتطرف عالمياً: القيام بتحالفات مع أحزاب مثل (التجمع الوطني) في فرنسا و (الجمهوريون))في أمريك الذين يدعمون الرواية التوراتية.
٤. صمت دولي عنيف تجاه التطهير العرقي:تهجير الفلسطينيين في القدس والضفة (مثل حي الشيخ جراح) لا يواجه عقوبات رغم الإدانة اللفظية.
مما تقدم أعلاه نجد ان المجتمع الدولي (يُدين بيد ويُسلّح بالأخرى) وهذا ما يمنح نتنياهو غطاءً لمواصلة مشروعه التوسعي تحت شعارات توراتية مُحوِّلاً الصراع من قضية سياسية إلى معركة دينية تهدد استقرار الشرق الأوسط.
سيناريوهات مستقبلية شرق اوسطية محتملة لإجهاض أطماع نتنياهو
لتحجيم المشروع التوسعي الإسرائيلي المبني على الخطاب التوراتي تبرز سيناريوهات شرق أوسطية متعددة المستويات بعضها واقعي وبعضها يحتاج زخماً سياسياً غير مسبوق. ومن أبرزها تحليلياً:
١. السيناريو الأول: صحوة الضغط الدولي المنظم ي
تكوين تحالف دولي (أوروبي-عربي-آسيوي) لإجبار إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي عبر: - تجميد اتفاقيات التبادل الحر مع إسرائيل.
- مقاضاة قادة المستوطنات في محكمة الجنايات الدولية كمجرمي حرب .
- فرض عقوبات على الشركات الداعمة للاستيطان (مثل سدوت كوتش – إلكو)
نقاط القوة لهذا السيناريو تكمن في تصاعد دعم حل الدولة الواحدة الديمقراطية في أوساط الشباب الغربي. لكن يبقى التحدي هو استخدام الفيتو الأمريكي واللوبيات المؤيدة لإسرائيل.
٢. السيناريو الثاني: تحالف المقاومة المدنية الفلسطينية مع دول الجوار : تعزيز المقاومة الشعبية السلمية في الضفة والقدس بدعم لوجستي من الدول الرافضة لسياسة اسرائيل إضافة إلى توحيد الجهود القانونية لدول عربية لمقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية حول التطهير العرقي . وعلى غرار حملة المقاطعة العالمية (BDS) التي كبدت إسرائيل خسائر بـ ٤٠ مليار دولار منذ ٢٠٠٥.
٣. السيناريو الثالث: تفكيك التحالف مع المسيحيين الإنجيليين : كشف تناقضات الخطاب التوراتي عبر : - توثيق انتهاكات إسرائيل ضد المسيحيين الفلسطينيين (كنيسة المهد، اعتقال الكهنة…).
- تحالف الكنائس الشرقية مع لوبيات مسيحية تقدمية في الغرب (مثل Christians for Peace) .
- فضح ارتباط الإنجيليين بتمويل المستوطنات عبر تقارير استقصائية.
سيكون التأثير المحتمل لهذا السيناريو هو تقليص التمويل الأمريكي للمستوطنات بنسبة ٣٠٪.
٤. السيناريو الرابع: تفجير الازمة الداخلية الإسرائيلية :
دعم المعارضين اليهود (علمانيين/ليبراليين) لكشف زيف الرواية التوراتية عبر منصات إعلامية ذات انتشار واسع ، ودعم تنظيم احتجاجات ضد حكومة اليمين المتطرف إضافة إلى تحريض التيارات الدينية المعتدلة (كيهود حركة نتورى كارتا) ضد توظيف الدين سياسياً.
لا يمكن إجهاض أطماع نتنياهو دون تفكيك الأسطورة التوراتية أكاديمياً وإعلامياً وربط المصالح الغربية بالاستقرار الإقليمي وخاصة في أمن الطاقة في شرق المتوسط) كما ان تحويل الصراع إلى قضية عدالة عالمية تتجاوز الصراع العربي-الإسرائيلي هو قضية مهمة .
المصادر المستخدمة في إعداد المقال open source: - خطابات بنيامين نتنياهو الرسمية: موقع رئيس الوزراء الإسرائيلي (2017-2023)](https://www.gov.il/he) (خطابات الأمم المتحدة، افتتاح المستوطنات، تصريحات حول القدس) .
- وثائق حزب الليكود: برنامج الحزب (2022)](https://en.idi.org.il/parties/parties/likud/): فصل الشرعية التاريخية لأرض إسرائيل .
- قوانين الكنيست: قانون القومية (2018)](https://knesset.gov.il/…/eng/BasicLawNationState.pdf): النص الرسمي الذي يُعرِّف إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي .
- نقد الرواية التوراتية: فنكلشتاين، إسرائيل (2020). The Bible Unearthed (تفنيد الأدلة الأثرية على المملكة الموحدة) .
- وايتلام، كيث (1996). The Invention of Ancient Israel (تشريع بناء الرواية الصهيونية).
- الاستخدام السياسي للدين: شافير، غرشون (2018). Bible and Sword: The Religious Tool in Israeli Politics (تحليل توظيف التوراة في تبرير الاستيطان).
- هيومن رايتس ووتش: Threshold Crossed: Israeli Authorities and the Crimes of Apartheid” (2021).
- الأمم المتحدة: قرار مجلس الأمن 2334 (2016)](https://undocs.org/S/RES/2334(2016)): إدانة الاستيطان.
- صحيفة هآرتز الإسرائيلية: تحليلات عامير أورين حول خطابات نتنياهو التوراتية (2020-2023).
- معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: تقرير “المسيحيون الإنجيليون ودعمهم لإسرائيل (2022)](https://www.washingtoninstitute.org/…/evangelical…).
- تقارير مركز فلسطين في العقيدة المسيحية – القدس: توثيق تمويل المستوطنات عبر منظمات مثل (صندوق أرض إسرائيل) .
- معهد كارنيغي للشرق الأوسط: تقرير المشروع التوسعي الإسرائيلي: من النيل إلى الفرات (2021)](https://carnegie-mec.org/2021/03/22/he-pub-84086).
- مجلة الدراسات الفلسطينية: تحليل حدود أرض إسرائيل الكبرى في الفكر الصهيوني (العدد 123، 2022).
- أوفكوم الإسرائيلية: توثيق مصادرة الأراضي تحت ذرائع تراثية توراتية (2022) .
ملاحظة
أعزاءنا متابعي صفحتنا الكرام
أعزاءنا الزوار الكرام
عند نقلكم لمقالاتنا يرجى بحكم الامانة العلمية ان تشيروا إلى صفحتنا التي وجدت أصلا لخدمتكم إذ تأشر لدينا نقل مقالاتنا ونشرها دون الإشارة إلى كادر الصفحة وهذا خارج الإطار العلمي والأخلاقي في نقل المعلومة .



إرسال التعليق