تفكك الإجماع اليهودي العالمي حول إسرائيل
زياد الزبيدي
يعتمد هذا التحليل على مقال للكاتب الروسي غيفورغ ميرزيان، الأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسية، جامعة العلوم المالية التابعة لحكومة الإتحاد الروسي، والباحث في معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية، نُشر في صحيفة وجهة نظر «فزغلياد» الالكترونية بتاريخ 14 أغسطس/آب 2025.
مقدمة
لم يعد الهجوم على إسرائيل صادرًا فقط من خصومها التقليديين، بل بدأ يظهر من داخل المجتمع اليهودي العالمي نفسه، خصوصاً في الولايات المتحدة. يحدث ذلك نتيجة تراكمات أخلاقية وسياسية يرى كثير من اليهود أنها تهدد ليس فقط صورة إسرائيل، بل الإيمان اليهودي ذاته، والعلاقات التاريخية مع المجتمعات التي عاش فيها يهود الشتات. هذا ما يحاول الكاتب الروسي غيفورغ ميرزيان إبرازه محذّرًا من أن إستمرار هذا الشرخ قد يقوّض أهم دعائم الدولة العبرية.
أولًا: إنهيار الشرعية الأخلاقية الدينية
ترى شخصيات دينية يهودية أن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية في غزة يمثّل خرقًا جوهريًا للقيم التي قامت عليها اليهودية. وكما جاء في الرسالة الجماعية الموقعة من حاخامات الشتات: «الشعب اليهودي يواجه أزمة أخلاقية تهدد أساس اليهودية نفسها كصوت أخلاقي منذ عهد أنبياء إسرائيل».
ويضيف الكاتب أن هذه الرسالة لم تكتف بالكلام بل تبعتها خطوات عملية، إذ قامت «إحدى المنظمات اليهودية في نيويورك بتحويل مليون دولار لمساعدة سكان غزة في الغذاء والدواء وأنظمة تنقية المياه» (بحسب النص الأصلي).
ثانيًا: تشبيه إسرائيل بجلاد الهولوكوست
الصدمة الأكبر في الغرب اليهودي تتجلى في المقارنة التي أصبح بعض اليهود يطلقونها بين أفعال الجيش الإسرائيلي وبين الجرائم النازية خلال الحرب العالمية الثانية. يقول أحد اليهود الأميركيين في إقتباس صارخ: «بصفتي إبنًا لأحد الناجين من الهولوكوست ومع فقدان عدد لا يُحصى من أفراد عائلتي نتيجة التطهير العرقي، فإنه من المفجع أن أشاهد شعبنا يرتكب مثل هذه الفظائع بحق الآخرين».
هذه الكلمات تكسر أحد أكبر المحرمات داخل العقل اليهودي: تشبيه إسرائيل بالجلاد الألماني! وهو ما يدل على مدى عمق الأزمة الأخلاقية.
ثالثًا: الخوف من إرتداد الكراهية على يهود أميركا
يشير الكاتب إلى أن كثيرًا من اليهود الأميركيين يخشون من أن يعاقَبوا على أفعال إسرائيل، إذ أصبحوا يُنظر إليهم تلقائيًا بإعتبارهم «إمتدادًا لإسرائيل». وفي خطاب وقّعه عدد من الحاخامات والنشطاء اليهود جاء: «سياسة نتنياهو في غزة لا تؤدي فقط إلى عزلة إسرائيل، بل تضع أمن ووحدة المجتمعات اليهودية العالمية على المحك».
وتظهر الأرقام المنشورة في المقال أن «88% من اليهود الأميركيين يشعرون بالقلق من إرتفاع مستوى العداء لليهودية في الولايات المتحدة». وهو مؤشر خطير غير مسبوق منذ عقود.
رابعًا: تراجع صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي
أشار ميرزيان إلى أن نسبة الأميركيين الذين أصبح لديهم موقف سلبي من إسرائيل إرتفعت من 42% عام 2023 إلى 53% عام 2025. وينقل الكاتب إقتباسًا من توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز يقول: «إسرائيل بدلًا من أن تُرى كملاذ من معاداة السامية، باتت تُعتبر محرّكًا جديدًا يولّدها».
ويضيف فريدمان أن وجود «سيارات الشرطة والحراسة الخاصة أمام أبواب المعابد اليهودية» أصبح مشهدًا إعتياديًا وكأنه جزء من الحياة اليومية.
خامسًا: الرهائن… والخطيئة الكبرى لدى نتنياهو
ينتقد الكاتب بشدة طريقة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع مسألة الرهائن لدى حماس، معتبرًا أن نتنياهو ضحّى بهم مقابل إطالة أمد الحرب. لكنه يذكّر بأن الشريعة اليهودية تنص على وجوب تحرير الأسرى بأي ثمن، حيث تنقل الحاخامة الأميركية جيل جاكوبس: «كلما طال أمد الحرب، قلّت إحتمالية عودة الرهائن الذين ما زالوا أحياء».
ويتابع الكاتب: «هذا ليس مجرد مطلب إنساني، بل مبدأ ديني راسخ في اليهودية».
خاتمة: خطر داخلي يهدد بقاء إسرائيل
يختتم ميرزيان تحليله بتحذير صريح مفاده أنه إذا لم تسمع إسرائيل صوت الشتات اليهودي وتراجع سياساتها في غزة، فإن الركيزة الأساسية لعلاقتها بالولايات المتحدة – أي الدعم اليهودي الأميركي – قد تتصدع، ما يهدد «وجود دولة إسرائيل نفسها».
” إن الأزمة التي نراها اليوم ليست مجرد خلاف سياسي، بل تمرد أخلاقي داخل البيت اليهودي العالمي. وإذا لم تُعِد إسرائيل النظر في سياساتها، فقد تتحول في نظر اليهود من ملاذ إلى عبء، ومن مصدر فخر إلى مصدر خطر.”



إرسال التعليق