الزواج بين الخوف و الرغبة : هواجس مشتركة بين الرجل و المرأة

لم يعد الزواج في زمننا المعاصر خطوة تلقائية أو قدرا لا مفر منه كما كان في الماضي ، بل أصبح موضوعا يثير جدلا واسعا في أوساط الشباب من الجنسين ، فبينما كان الزواج ينظر إليه قديما على أنه إستقرار و إمتداد طبيعي للحياة ، بات اليوم يواجه أسئلة عديدة ترتبط بالحرية الفردية و بالمسؤوليات الإجتماعية و كذا الضغوط الإقتصادية و حتى الصورة الثقافية التي يرسمها المجتمع لكل من الرجل و المرأة و على الرغم من أن المرأة غالبا ما توصف بأنها الطرف الأكثر خوفا من هذه الخطوة ، إلا أن الحقيقة تكشف أن الرجل هو الآخر يعيش هواجس لا تقل شدة ، لكنها تتخذ أشكالا مختلفة و هنا يظهر السؤال الأبرز : ما الذي يجعل كلا الطرفين يخشى الزواج ؟

مخاوف المرأة : بين فقدان الإستقلالية و الخوف من التكرار .

المرأة اليوم لم تعد تنظر إلى الزواج باعتباره خلاصا أو ضمانة إجتماعية بل خيارا يخضع للمراجعة و التفكير كثير من النساء يخفن من فقدان حريتهن الفردية داخل مؤسسة الزواج ، حيث قد يتحول الأمر إلى قيد يحد من تطلعاتهن الشخصية و المهنية و تضاف إلى ذلك الصور السلبية التي تنقلها تجارب أخريات ، سواء من خلال قصص الطلاق أو العنف أو الخيانة و هي تجارب أصبحت بمثابة تحذير مخيف بدلا من أن تكون درسا إيجابيا ، كما أن الضغط الإجتماعي يلعب دورا أساسيا في تعزيز هذا الخوف ، إذ تُحاط المرأة بتوقعات صارمة حول وجوب أن تكون زوجة مثالية و أما مثالية و هو ما يضاعف إحساسها بالقلق من الفشل و مع إتساع فرص التعليم و العمل و الإستقلال الإقتصادي تزايد وعي النساء بحقهن في أن يكن صاحبات قرار مستقل ، ما جعل الزواج في نظر الكثيرات خيارا مؤجلا أو غير ضروري أحيانا.

مخاوف الرجل : ثقل الأعباء و هاجس الفشل

الرجل بدوره لا يقف بعيدا عن هذه الدائرة من القلق . فالمسؤولية التي يلقيها المجتمع على عاتقه ، باعتباره الطرف المطالب بالإنفاق و تأمين الإستقرار تثير لديه شعورا بالخوف من عدم القدرة على تلبية كل هذه الالتزامات ، خصوصا في ظل الظروف الإقتصادية غير المستقرة و يضاف إلى ذلك الخوف من الفشل العاطفي أو الخيانة ، فكما تخشى المرأة الإنكسار النفسي ، يخشى الرجل أن يفقد ثقته بعد أن يمنحها ، أما الضغوط الإجتماعية فهي لا تقل ثقلا ، إذ ينتظر منه دائما أن يكون العمود الذي يقوم عليه البيت و السند الذي لا يلين، ما يجعله أكثر ترددا إذا شعر أنه لم يبلغ بعد مستوى الجاهزية المطلوبة و هناك أيضا هاجس الحرية ، إذ يربط عدد كبير من الرجال بين الزواج و فقدان جزء من حياتهم الخاصة ، سواء تعلق الأمر بالأصدقاء أو الهوايات أو حتى القرارات الفردية.

نقاط التلاقي و الإختلاف

الإختلاف بين الطرفين يكمن في طبيعة المخاوف ، المرأة تخشى فقدان ذاتها و تعرضها للظلم العاطفي ، بينما يخاف الرجل أساسا من ثقل المسؤوليات و الضغوط المادية ، غير أن القاسم المشترك بينهما يتمثل في الخوف من الخذلان و فشل العلاقة و هو هاجس إنساني طبيعي يعكس هشاشة التجربة العاطفية إذا لم تُبنى على أسس متينة ، دراسة ميدانية حديثة أبرزت أن 68 بالمائة من النساء العازبات بين 25 و 35 عاما صرحن بأنهن يخفن من الزواج بدرجات متفاوتة ، بينما عبّر 54 بالمائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها عن هواجس مرتبطة غالبا بالجانب المادي و الاجتماعي أكثر من النفسي و العاطفي ، هذه الأرقام تؤكد أن الخوف من الزواج ليس حكرا على جنس دون آخر ، بل هو حالة عامة تتغير أسبابها من فرد إلى آخر .

نحو رؤية جديدة للزواج

إن تجاوز هذه المخاوف لا يكون إلا من خلال إعادة صياغة مفهوم الزواج نفسه ، باعتباره شراكة متكافئة تقوم على الإحترام المتبادل و التفاهم و الحرية المشتركة و ليس عبئا أو قيدا يفرض على أحد الطرفين ، فالمطلوب اليوم هو كسر الصورة النمطية التي تجعل من المرأة ظلا أو ضحية و تجعل من الرجل حاملا وحده لعبء المسؤوليات ، فالزواج الناجح هو الذي يوزع الأدوار بعدل و يعترف بحقوق الطرفين كما يعترف بواجباتهما و يمنح لكل فرد مساحته الخاصة داخل إطار جماعي متماسك . حينها فقط يتحول الخوف إلى وعي و التردد إلى خطوة محسوبة و القلق إلى دافع نحو بناء علاقة أكثر نضجا ، فالمرأة لا ترفض الزواج لذاته بل ترفض الظلم والتهميش و الرجل لا يخشاه كفكرة بل يخاف الإنكسار تحت ثقل الضغوط و بين هذه المخاوف المشتركة ، يظل الزواج تجربة إنسانية عظيمة تستحق أن تبنى على أسس الحب ، النضج و المسؤولية .

رانية حلالس

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك