المانيا تريد الانتقام من الولايات المتحدة
احمد صالح سلوم
عنوان عريض، على موقع صحيفة كبرى في اوروبا الغربية ،يقول: إن المانيا تحضر نفسها لانتقام شديد ، ضد الولايات المتحدة، بعد أحساسها بالغدر الأمريكي، على اكثر من جانب. فما الذي يجري فعلا بين أوروبا الغربية، باعتبار أن ألمانيا قاطرتها الأساسية من جهة والولايات المتحدة من جهة مقابلة :
يبدو أن النظام الرأسمالي العالمي قد بلغ نقطة اللاعودة. شيخوخة الرأسمالية، كما وصفها المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين، تتجلى اليوم بوضوح في قلب المراكز الإمبريالية، حيث تتفاقم التناقضات الداخلية للنظام بلا هوادة. هزائم الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو في العراق وأفغانستان كشفت عن هشاشة الهيمنة الغربية، معلنةً عن نقطة تحول تاريخية في مسار الرأسمالية العالمية. هذه الانتكاسات العسكرية، التي لا يمكن اعتبارها مجرد هفوات عابرة، هي أعراض لأزمة هيكلية أعمق، حيث بدأت القوى الاحتكارية في المركز الرأسمالي تتناحر فيما بينها، عاجزةً عن الحفاظ على سيطرتها على بقية العالم.
في هذا القسم الأول، نستكشف ديناميكيات هذه الأزمة الهيكلية، مستندين إلى تحذيرات إيلون ماسك من الانهيار الاقتصادي الوشيك للولايات المتحدة، وتصريحات دونالد ترامب الاستفزازية حول نيته احتلال كندا وجزيرة غرينلاند الدنماركية، إلى جانب كشوفات الصحفي سيمور هيرش عن تورط الولايات المتحدة في تدمير أنابيب الغاز نورد ستريم. هذه الأحداث، التي لا يمكن اختزالها إلى مجرد وقائع عابرة، تعكس تفكك الهيمنة الأمريكية التدريجي وصعود عالم متعدد الأقطاب. نستلهم في تحليلنا هذا نظريات سمير أمين حول شيخوخة الرأسمالية، مركزين على التناقضات الداخلية للنظام والصراعات البينية بين قوى المركز. كما ندمج وجهات النظر الحديثة حول رد الفعل الاستراتيجي الألماني تجاه السياسات العدوانية لإدارة ترامب، كما ورد في مقال جيد هين-سيلورا بتاريخ 14 أبريل 2025.
الأزمة الهيكلية للرأسمالية: عودة إلى المراكز
في كتاباته الرائدة، أكد سمير أمين أن الرأسمالية العالمية، في مرحلتها الإمبريالية المتقدمة، دخلت مرحلة الشيخوخة، التي تتسم بعجزها عن تحقيق نمو مستدام أو حل الأزمات التي تُنتجها ذاتيًا. هذه الشيخوخة تتجلى اليوم بقوة في مراكز الرأسمالية، حيث تتصاعد التناقضات الداخلية بين القوى الاحتكارية، التي كانت في السابق موحدة تحت راية الهيمنة الأمريكية، لتتحول إلى ساحة صراع للحفاظ على امتيازاتها.
هزائم الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو في العراق وأفغانستان شكلت نقطة تحول حاسمة. لم تكن هذه الهزائم مجرد تراجعات عسكرية، بل كشفت عن عجز القوى الإمبريالية عن فرض سيطرتها بالقوة العسكرية. في العراق، أدى غزو عام 2003، الذي دُشن بهدف السيطرة على الموارد النفطية وإقامة قاعدة متقدمة في الشرق الأوسط، إلى مستنقع مكلف أنهك الموارد المالية والبشرية للولايات المتحدة. وفي أفغانستان، انتهت أطول حرب في تاريخ أمريكا بانسحاب فوضوي عام 2021، تاركًا وراءه بلدًا مدمرًا وصورة لعجز الغرب. هذه الانتكاسات لم تُضعف مصداقية الولايات المتحدة فحسب، بل عمقت الانقسامات داخل الكتلة الغربية، حيث باتت المصالح المتضاربة للقوى الرأسمالية أكثر وضوحًا.
تفكك الكتلة الغربية: ترامب، الناتو، والحرب الاقتصادية
تصاعدت هذه التوترات مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، في حدث مهيب كشف عن هشاشة الوحدة الغربية. تصريحات ترامب الاستفزازية، وخاصة نيته احتلال كندا وغرينلاند الدنماركية، تعكس رغبة في فرض هيمنة أحادية، حتى لو كان ذلك على حساب أقرب الحلفاء. هذه التهديدات، التي قد تبدو مبالغًا فيها، تكشف عن منطق إمبريالي يائس، يسعى من خلاله الولايات المتحدة لتعويض تراجعها الاقتصادي والعسكري بأفعال جريئة تهدف إلى إعادة تأكيد تفوقها.
في الوقت نفسه، كشف الصحفي سيمور هيرش عن تورط إدارة بايدن في تدمير أنابيب الغاز نورد ستريم عام 2022، في عملية ألقت الضوء على أساليب الإمبريالية الأمريكية. هذه العملية، التي استهدفت قطع إمدادات الغاز الروسي عن أوروبا، وخاصة ألمانيا، كانت تهدف إلى إبقاء القارة تحت التبعية الطاقوية والسياسية للولايات المتحدة. من خلال تدمير الأنابيب، أضعفت واشنطن الاقتصاد الألماني، الذي يعاني بالفعل من الركود الاقتصادي بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2% في عام 2024، وفقًا لصحيفة لوموند. كما منعت ظهور شراكة اقتصادية أوروبية-روسية كانت قد تهدد بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في أوراسيا، من جبال الأورال إلى الأطلسي.
حلف الناتو، الذي يُقدم كحصن لـ”الأمن الجماعي”، تحول إلى أداة ابتزاز تخدم المصالح الأمريكية. واصل ترامب مسيرة “الدولة العميقة” الأمريكية، مطالباً الدول الأوروبية بزيادة مساهماتها المالية في الحلف إلى 5% من موازناتها الوطنية، أي تريليونات الدولارات التي تُحول إلى خزينة أمريكية مدينة ومفلسة. هذه الضغوط المالية تهدف إلى إنقاذ اقتصاد أمريكي على شفا الانهيار، كما حذر إيلون ماسك، الذي توقع انهيارًا اقتصاديًا وشيكًا بسبب الارتفاع الجامح في خدمة الدين العام، التي تجاوزت 34 تريليون دولار بحلول عام 2025.



إرسال التعليق