الذكاء البريطاني.. وكيف اصبح بديلا للقوة الاقتصادية والعسكرية؟!

أحمد فاروق عباس

مع تكشف ما كان تخمينا ويدور همسا وراء أبواب مغلقة، من دور بريطاني مباشر في إيصال أحمد الشرع – أبو محمد الجولاني سابقا – الي حكم سوريا ، ووراءه تنظيم القاعدة وتشكيلة من جماعات متطرفة وعنيفة ، وبعضها تنظيمات عابرة للحدود وتنتمي الي دول متعددة، يقتضي الامر إلقاء ضوء بسيط علي طبيعة دور بريطانيا في عالمنا …

فمع غروب شمس الامبراطورية البريطانية العظمي في منتصف القرن العشرين وانسحابها من أغلب مستعمراتها السابقة حول العالم، رجعت بريطانيا – نظريا – الي وضعها الطبيعي… جزيرة صغيرة في شمال العالم…

ومع انسحابها من المستعمرات فقدت بريطانيا أغلب نقاط قوتها الاقتصادية ، ومن زاوية تاريخية طالما قدمت المستعمرات للاقتصاد البريطاني دور المورد للمواد الخام والأولية، والمستقبل للسلع البريطانية المصنعة، وكان الفائض الاقتصادي الناتج عن ذلك هو ما بني الاقتصاد البريطاني عبر القرون…

ومع انسحابها من المستعمرات مع تقلب العصور وتداعي قوتها الاقتصادية تبعا لذلك فقدت بريطانيا أكبر نقاط قوتها العسكرية ، وفقدت ميزة وجود الجيش والبحرية البريطانية في كل مكان حول العالم…

لم يستسلم من بيده مقاليد الأمور في بريطانيا من الأسرة المالكة وطبقة النبلاء والعائلات الشريفة وذات النفوذ في البلاد للأمر ، كانت تلك الطبقة المالكة والحاكمة من العائلات المتنفذة في بريطانيا علي استعداد للإعتراف بتغير الزمن وسريان حكمه علي امبراطورتهم الغاربة، ولكن كانوا من الذكاء ان حاولوا ان يبلغوا ما وصلوا اليه في الماضي بوسائل جديدة وحديثة….

وكان أمامهم مجموعة من وسائل الحركة :

١ – الالتحاق بدولة كبري شابة ولديها موارد للحركة العالمية، وهنا وجدت بريطانيا في الولايات المتحدة ضالتها، ولا أحد يعرف بالضبط من منهما يقود الاخر… هل الذكاء البريطاني ام العضلات الأمريكية ، المهم ان بريطانيا وجدت الحصان الجامح الذي يسهل بامتطاءه الوجود علي القمة العالمية…

٢ – اللغة الإنجليزية… وهي لغة العلم والدبلوماسية والسياسة والاقتصاد، وقد خلقت اللغة الإنجليزية لبريطانيا نفوذا معنويا وقوة ناعمة محسوسة في كل بيت حول العالم..

٣ – وكانت الوسيلة الثالثة والأهم هي خلق تيارات سياسية وتنظيمات تدين بالولاء لبريطانيا، وبعض هذه التيارات يساري الطابع ،وبعضها ليبرالي الهوي، وبعضها الاخر ديني التوجه…

وفيما يخص منطقتنا وجدنا تيارات ماركسية وناصرية وليبرالية غير بعيدة عن النفوذ البريطاني من وراء ستار….
ووجدنا صحفا ودور نشر مؤثرة ليست بعيدة عن اليد الخفية البريطانية الماهرة…

وخلقت أجهزة العمل السري في بريطانيا واجهات تبدو انسانية أو إعلامية أو علمية ولكن لها مهام سياسية مباشرة لمصلحة الدولة البريطانية… من حركات الاستشراق والمستشرقين قديما، الي المنظمات الانسانية ومنظمات حقوق الانسان حديثا…

وكلها يبدو الهدف منها بريئا ولكن تخفي وراء نعومة الكلام مخالب تغرز انيابها في أمان المجتمعات واستقرار الدول…

ولكن النجاح الأبرز للذكاء البريطاني في هذه النقطة تحديدا كان مع تيارات الاسلام السياسي ، ولبريطانيا تاريخ طويل وعريق في خلق تلك التيارات وتغذيتها بسبل العيش والحركة… وفي هذا المجال تفصيلات تكفي مجلدات من الكتب….

وبهذه الوسائل استطاعت الامبراطورية السابقة والجزيرة الصغيرة الحالية في أقصي شمال العالم أن تجد لنفسها مكانا وسط كبار العالم ممن يمتلك من الموارد والمساحة والسكان أضعاف مما لدي بريطانيا… دول مثل الصين والولايات المتحدة وروسيا….

وبرغم دورها المخرب ، وخصوصا في منطقتنا ، وبرغم كميات هائلة من المآسي والجراح خلقتها ومازالت تخلقها السياسة البريطانية في حياتنا حتي اليوم ، الا أنه من زاوية القوة المجردة وحساباتها – وهي بلا عواطف – فإن بريطانيا تستحق لقب أذكي امبراطوريات التاريخ…

واذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تمثل اليوم قوة العضلات حول العالم – وذكاءها أقرب الي الذكاء الاصطناعي – فإن بريطانيا تمثل قوة العقل وقوة الدهاء في عالمنا المعاصر….

إرسال التعليق