أوروبا والجنوب العالمي: إمكانيات التعاون
د خامد ع
في ظل الأزمة الهيكلية للرأسمالية، يمكن لتجارب الجنوب العالمي أن تلهم أوروبا، وخاصة أوروبا الشمالية، لإعادة النظر في تبعيتها للولايات المتحدة. كما أشار جيد هين-سيلورا في مقاله، فإن التوترات بين أوروبا والولايات المتحدة، التي تفاقمت بسبب سياسات ترامب العدوانية، دفعت دولًا مثل ألمانيا إلى التفكير في بناء نظام دفاعي أوروبي مستقل. هذا التوجه، رغم محدوديته في الوقت الحالي، يمكن أن يستلهم من تجارب الجنوب العالمي، حيث أثبتت دول مثل إيران والصين أن الاستقلال الوطني هو السبيل لمواجهة الهيمنة الإمبريالية.
سمير أمين، في تحليله لأوروبا الشمالية، يرى أن دول مثل السويد وفنلندا، بإرثهما الحيادي والديمقراطي، لما قبل سنتين ، يمكن أن تلعب دورًا في إعادة بناء أوروبي بعيد عن الهيمنة الأمريكية. هذا الدور يتطلب تعاونًا مع الجنوب العالمي، الذي يقدم نماذج بديلة للتنمية والسيادة. على سبيل المثال، يمكن لأوروبا الشمالية أن تستفيد من مبادرة الحزام والطريق الصينية لتطوير بنيتها التحتية، بدلاً من الاعتماد على التمويل الأمريكي عبر الناتو. كما يمكن لتجربة إيران في مواجهة العقوبات أن تلهم أوروبا لتطوير اقتصادات وطنية مستقلة، بعيدًا عن السيطرة المالية الأمريكية.
تحديات بناء عالم متعدد الأقطاب
رغم الإمكانيات الهائلة التي يقدمها الجنوب العالمي، فإن بناء عالم متعدد الأقطاب يواجه تحديات كبيرة. أول هذه التحديات هو استمرار العدوان الإمبريالي، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، كما في حالة إيران، أو من خلال الحروب بالوكالة، كما في اليمن وسوريا. هذه الاستراتيجيات تهدف إلى إضعاف الدول الوطنية ومنعها من تحقيق الاكتفاء الذاتي. كما أن الدعاية الغربية، بقيادة وحدات مثل الوحدة 8200 الصهيونية، تسعى إلى تشويه صورة دول الجنوب العالمي، تصويرها كدول متخلفة أو “مارقة” لتبرير العدوان ضدها.
تحدٍ آخر يكمن في الانقسامات الداخلية داخل الجنوب العالمي. على الرغم من التقدم المحرز في بناء تحالفات مثل منظمة شنغهاي، فإن الاختلافات في الأولويات الوطنية والاستراتيجيات الاقتصادية قد تعيق التنسيق الفعال. على سبيل المثال، بينما تركز الصين على التنمية الاقتصادية، تهتم إيران بتعزيز محور المقاومة العسكري. هذه الاختلافات تتطلب جهودًا كبيرة لتوحيد الرؤى وصياغة استراتيجية مشتركة.
الخاتمة العامة: نحو عالم جديد
إن الأزمة الهيكلية للرأسمالية، التي تفاقمت بسبب هزائم الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وسياساتها العدوانية تجاه حلفائها الأوروبيين، كما تجلت في تدمير أنابيب نورد ستريم وتهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية، كشفت عن هشاشة الهيمنة الأمريكية. في هذا السياق، يبرز الجنوب العالمي كقوة محركة للتغيير، من خلال تجارب دول مثل إيران والصين وحركات المقاومة التي تتحدى النظام الإمبريالي. هذه التجارب، التي تعكس إرادة الشعوب للتحرر، تقدم نموذجًا بديلًا يمكن أن يلهم أوروبا، وخاصة أوروبا الشمالية، لإعادة النظر في تبعيتها للولايات المتحدة.
تحليلات سمير أمين توفر إطارًا نظريًا لفهم هذه التحولات. شيخوخة الرأسمالية، التي تجلت في تراجع الإنتاج الحقيقي وزيادة الاعتماد على المضاربة المالية، تهدد ليس فقط الهيمنة الأمريكية، بل مستقبل النظام الرأسمالي بأسره. في هذا السياق، يصبح السؤال المحوري: هل ستتمكن شعوب الجنوب العالمي، بالتعاون مع القوى التقدمية في أوروبا، من صياغة نظام عالمي جديد قائم على العدالة والمساواة؟ الإجابة تكمن في صمود هذه الشعوب وإنجازاتها، التي تثبت أن الكذب والخيانة، كما تجسدت في أدوات مثل تنظيم مجاهدي خلق والكيان الصهيوني الابادي المارق ومحميات الخليج الصهيو أمريكية ، لن تكون كافية لإيقاف مسيرة الاستقلال والتقدم.



إرسال التعليق