تصحر في العراق . أم تصحير .. ؟
ليث الجادر
يشهد العراق خلال العقدين الأخيرين موجة تصحر تُعدّ من الأسوأ في تاريخه الحديث، حيث تلتهم الرمال سنويًا آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، وتدفع سكان الريف نحو الهجرة والنزوح. ورغم تعاقب الحكومات من نوري المالكي إلى محمد شياع السوداني، فإن ظاهرة التصحر لم تُواجَه بسياسات جذرية، بل وُوجِهت غالبًا بالتجاهل أو التبرير.
وإذا كان بالإمكان فهم بعض جوانب الفشل من خلال الأزمات الأمنية أو الاقتصادية، فإن السكوت السياسي المتواصل عن تحويل الأراضي الزراعية المستأجرة إلى أراضٍ سكنية، يجعل من هذا التصحر ظاهرة مشتبه بها سياسيًا، ويطرح سؤالًا جريئًا: هل التصحر في العراق سياسة غير معلنة ضمن نظام يستثمر في الخراب؟
أولاً: من المالكي إلى السوداني.. تكرار الخطاب، غياب الفعل
منذ عام 2006، توالت الحكومات العراقية، ورافقتها موجات خطب ووعود بمشاريع “التنمية المستدامة” و”الحزام الأخضر” و”استصلاح الأراضي”. لكن الواقع ظل يزداد تدهورًا:
- حكومة المالكي (2006–2014) ركّزت على الأمن والإعمار السياسي، مع تراجع كامل للسياسات البيئية.
- العبادي وعبد المهدي أطلقا رؤى “تنموية”، لكنها لم تُترجم على الأرض.
- الكاظمي قدّم نفسه كزعيم إصلاحي، لكنه اصطدم بأزمات مركبة أخّرت أو عطّلت العمل البيئي.
- السوداني أطلق مبادرات رمزية (أسبوع التشجير، مذكرات تعاون)، لكنها بقيت إعلامية الطابع، ومعدومة الأثر الحقيقي.
النتيجة: لا حكومة قدمت خطة بيئية متكاملة، ولا تم تبني استراتيجية طويلة المدى لإنقاذ التربة والمجتمعات الزراعية.
ثانيًا: التصحر المقصود؟ حين يصبح الخراب سياسة
إذا كانت كل تلك الإخفاقات يمكن تبريرها بالعجز أو ضعف الإمكانات، فإن صمت الدولة عن تحوّل الأراضي الزراعية المستأجرة إلى أراضٍ سكنية – بشكل واسع ومنهجي – لا يمكن اعتباره عجزًا بريئًا.
هذا السكوت يُظهر وكأن التصحر:
“فقرة مدرجة وثابتة في منهج النظام الأسود” – لا خطأ إداريًا، بل بند ضمني لإعادة هيكلة الأرض والسكان والاقتصاد.
بهذا المعنى، التصحر ليس فقط غيابًا للماء والنبات، بل غيابٌ مقصودٌ للعدالة، وتفكيكٌ للبنية الإنتاجية لصالح اقتصاد العقار والريع والاحتكار.
ثالثًا: من يستفيد من التصحر؟
- تحالف السلطة والمقاولة:
مع تعطل الزراعة، تُحوّل الأراضي تدريجيًا إلى مناطق عمرانية. يظهر المقاول المرتبط بالسلطة ليحوّل هذه الأرض من “تربة ميتة” إلى “أصل استثماري” بأقل كلفة. - الاستفادة من النزوح البيئي:
نزوح الفلاحين نحو أطراف المدن يُولّد سوقًا للعشوائيات، ويُغذّي اقتصاد الخدمات الطارئة (الكهرباء، المياه، الطرق)، حيث تتضخم العقود ويزدهر الفساد. - المضاربة العقارية المقنّعة:
تشترى الأراضي المتدهورة بثمن بخس، ثم يعاد تصنيفها، وتُباع بأسعار مضاعفة بعد تحوّلها إلى “أراضٍ استثمارية” أو مشاريع إسكان. - تفريغ الريف لأهداف سياسية:
الفلاحون، بحكم استقلالهم التاريخي، يشكّلون قاعدة اجتماعية غير خاضعة. النزوح القسري يجعلهم كتلة مائعة في المدن يسهل احتواؤها انتخابيًا أو تسكينها سياسيًا.
رابعًا: الخراب كاقتصاد جديد
يتحوّل التصحر من أزمة إلى فرصة لإعادة إنتاج السلطة عبر:
- تخليق نُخب اقتصادية جديدة مستفيدة من انهيار الزراعة.
- إعادة توزيع الثروة من خلال التربّح من تغيير جنس الأرض.
- قتل الإنتاج المحلي لتكريس التبعية للاستيراد الخارجي، ما يُضعف الدولة نفسها ويزيد ارتباطها بالخارج.
خاتمة: التصحر كتكتيك لا كأزمة
التصحر في العراق لم يعُد مجرد تحدٍ بيئي، بل تحوّل إلى بنية مصلحية تشكّل عمق النظام السياسي–الاقتصادي. من يخسر فيه هم الفلاحون، والتربة، والماء، والهوية الريفية. ومن يربح هم المقاولون، وأمراء الفساد، و”دولة الظل” التي تتغذى على تحويل الأرض من فضاء إنتاج إلى فضاء استهلاك.
من هنا، يصبح من المشروع أن نعيد السؤال:
هل التصحر عرض جانبي لانهيار الدولة؟ أم أنه أداة في يد سلطة حزب الدعوه


إرسال التعليق