النسوية بين التمكين و الوهم : قراءة نقدية في استقلال مفرط يهدد إنسانيتنا
في زمنٍ صارت فيه الشاشات الصغيرة تحدّد ملامح وعي الأجيال و تعيد رسم العلاقات الاجتماعية ، ظهرت موجة نسوية جديدة لا تشبه جذورها الأولى في شيء ، نسوية هجومية لا ترى في الرجل سوى خصم وجب تجاوزه أو تحييده ، كثير من الفتيات أصبحن يعتقدن أن اكتمال هويتهن مرهون بنفي أي رابط إنساني أو وجداني بالرجل حتى لو كان رابط إحترام و مودة و تكامل ، تلك النسوية المفرطة لا تكتفي بمطالبة المرأة بحقوقها الطبيعية في التعليم و العمل و الكرامة بل تتجاوز ذلك إلى تكريس صورة نمطية للمرأة “المكتفية ذاتيًا” و كأن كل شراكة أو تقاطع مع الرجل تهمة بالنقص أو الضعف .
إذا كيف بدأت فكرة النسوية المبالغ فيها ؟
النسوية الكلاسيكية نشأت من حاجة إنسانية حقيقية ، حيث كانت المرأة في عصور كثيرة محرومة من التعليم و الحق في العمل و القرار كانت الأصوات الأولى للحركات النسوية شعلة تحررية ترفض الظلم و تطالب بالإنصاف ، لكن مع تغير السياقات الثقافية تسللت إلى هذه الحركة مفاهيم مستوردة من بيئات غريبة عن مجتمعاتنا و التي تحوّلت شيئا فشيئا إلى فلسفة فردانية صارمة تعتبر الرجل عائقا أمام نجاح المرأة بدلا من إعتباره شريكا و سندًا ، فهكذا أصبح شعار “الاستقلال المطلق” هدفًا نهائيًا بحد ذاته، لا وسيلةً لتحقيق توازن صحي في حياة المرأة.
معنى الإستقلال: بين الضرورة و المغالاة
الإستقلال المادي و المعرفي حق لكل إنسان لا ينبغي لأحد أن يفرض على المرأة اعتمادً قسري على أحد و لكن عندما يتحول هذا الحق إلى قناعة راسخة بأن المرأة لا تحتاج لأي دعم أو مودة أو شراكة إنسانية يصبح الإستقلال قيدًا لا حرية ، تحويل Independence أو “الاستقلالية” إلى معيار وحيد لقيمة الذات يخلق ضغطًا نفسيًا هائلا تصبح المرأة في سباق دائم لإثبات اكتفائها التام، حتى و إن كان قلبها يتوق إلى الدفء و الإحتواء .
المرأة القوية.. حقيقة لا شعار
لا أحد ينكر أن المرأة في كل الثقافات قدمت تضحيات عظيمة و كانت مثالا للثبات و الصبر و الكفاح هي قادرة على بناء حياتها و تحقيق ذاتها لكنها – مهما بلغت من القوة – تبقى إنسانة لها حاجة فطرية للمساندة و الرفقة و الإعتراف المتبادل ، إن الإعتراف بحاجتنا للآخر لا يلغي استقلالنا و لا ينتقص من كرامتنا بل هو وعي ناضج بطبيعتنا البشرية التي تقوم على التآزر و التكامل .
سحر الشاشات و الوهم المعلب
لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الفكرة المضللة. صرنا نرى حسابات مؤثرات يقدمن حياتهن و كأنها سلسلة من لقطات منتخبة بعناية تظهر السفر و الإنجاز و الاكتفاء ، فيما الحقيقة غالبا أكثر تعقيدا و أقل بريقا ، تلك اللقطات مجرد ومضات قصيرة انتخبت و انتقيت لتلميع الصورة و ترويج نمط حياة افتراضي لا يعكس الواقع ، إنها نسخة محسنة من الحياة لا أكثر ، حين نقارن تفاصيلنا اليومية بتلك الصور المصممة للإبهار نشعر بالدونية و الفشل ، بينما الحقيقة أن معظم الناس يعيشون حياة بسيطة فيها نجاح و إخفاق ، فرح و حزن ، استقرار و أوقات تيه .
الرجل ليس خصما بل شريك وجود
إن اختزال الرجل في صورة العدو التاريخي أو العقبة هو ظلم مضاد فالرجل أيضا شريك حياة ، سند في الأوقات العصيبة و رفيق درب يشارك المرأة في بناء الأسرة و المستقبل ، لا تعني الاستقلالية أن نجرّد علاقتنا من العاطفة و الاحترام و لا أن نحمل لواء العداء بلا مبرر ، بل تعني أن نختار شراكتنا عن قناعة وحب ، لا عن عوز أو ضعف .
كيف نعيش حياة سعيدة و بسيطة؟
1. لا تفرضي على نفسك سباق المقارنات ، الحياة ليست مسابقة لنيل إعجاب الآخرين ، عيشي بما يناسبك أنت لا ما يريده جمهور عابر .
2. تذكري أن الاستقلال لا يلغي الحاجة الإنسانية للتآلف ، لا بأس أن تكوني قوية و لا بأس كذلك أن تحتاجي شريكا يخفف عنك عناء الطريق.
3. ابني علاقتك مع المال بوعي و اتزان المال وسيلة للعيش الكريم و ليس معيارا لقيمتك .
4. احتفي بأنوثتك دون خجل ، قوتك لا تنفي جمال قلبك و عقلك لا يقلل من رقّة مشاعرك .
5. تخلّصي من ضغط الكمال ، لا أحد كامل ولا حياة مثالية، و كلنا نختبر نقاط ضعف و مراحل ارتباك
6. اختاري شراكاتك بصدق ، لا تنجرفي خلف شعارات سطحية تحرم عليك الارتباط أو الامتنان لوجود رجل داعم في حياتك ، اقد وجدت النسوية لتكفل للمرأة احترامها و إنسانيتها. لكنها لم توجد لتجعل منها كائنًا منفصلا عن النسيج البشري محاصرا بفكرة الإكتفاء العدائي .
نعم، أنت قوية، طموحة، مستقلة. ، لكنك أيضا كائن يحب و يحتاج و يمنح لا تسمحي لموجة شعارات زائفة أن تصادر إنسانيتك بحجة التمكين ، الحياة أبسط بكثير من الصورة التي تسوقها لنا الشاشات ، السعادة لا تحتاج إلى إثبات دائم يكفي أن تختاري طريقك بصدق و تقبلي ذاتك كما أنت و أن تؤمني أن الشراكة لا تنتقص من قيمتك بل تضيف إلى قلبك ضياء.
حلالس رانية



إرسال التعليق