ملفات إبستين: التستر الكبير، الانقسام المؤسسي، وامتحان الشفافية في أمريكا
أوزجان يشار
في مشهد صادم يعكس هشاشة الشفافية داخل أقوى دولة في العالم، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات عارمة بعد تراجعه الصادم عن تعهده الانتخابي خلال حملة 2024 بكشف الملفات السرية المرتبطة بجيفري إبستين، الممول الشهير الذي اتُهم بقيادة شبكة عالمية للاتجار الجنسي واستغلال القاصرات. فبينما كان ترامب قد وعد حينها بـ”فضح النخبة” المتورطة في الانتهاكات، عاد الآن ليصف القضية بأنها “خدعة يسارية” و”عملية نفسية من صنع الحزب الديمقراطي”.
هذا التراجع لم يكن مجرد تبدّل في خطاب سياسي، بل تحوّل جذري في موقف رئاسي من قضية اعتبرها الملايين رمزًا للعدالة المؤجلة. وبدلًا من الوفاء بوعده، اكتفى ترامب بتسليم ما لا يتجاوز مئتي صفحة عبر مكتب التحقيقات الفيدرالي، لا تحتوي سوى على سجلات رحلات جوية جزئية وأرقام هواتف مبعثرة، دون أي أسماء صريحة أو أدلة على مخططات ابتزاز أو صلات مباشرة مع شخصيات نافذة. لقد اختفت “قائمة النخبة” التي تعهد بالكشف عنها، ولم تظهر الشاحنة المليئة بالأدلة التي تحدثت عنها المدعية العامة بام بوندي، حليفة ترامب، بداية العام.
ردود الفعل جاءت غاضبة، حتى من داخل معسكر ترامب نفسه. الإعلامي اليميني أليكس جونز اتهم وزارة العدل بالكذب والتستر، فيما كتب إيلون ماسك على تويتر منتقدًا الرئيس بقوله: “لقد ذكر إبستين مرارًا وتكرارًا، ثم طلب من الجميع نسيان الموضوع… فقط انشر الملفات.” اللافت أن الرئيس لم يكتف بالتراجع، بل راح يهاجم كل من يطالب بالحقيقة، وكتب في منشور على منصة “تروث سوشال” أن ملفات إبستين “لا شيء فيها” وأنها مجرد محاولة لتكرار خديعة “ملف ستيل”، واصفًا من يصدقها بأنه “ساذج يلهث خلف وهم”.
لكن ما جعل الأزمة أكثر خطورة هو ما كُشف من تسريبات داخل مكتب التحقيقات نفسه. حيث أفادت مصادر من داخل الـFBI عن عمليات حذف غير مصرح بها لسجلات إلكترونية مرتبطة بإبستين، في ما يبدو أنه محاولات لتطهير الأدلة ومسح أي أثر قد يقود إلى جهات نافذة. إحدى المذكرات الداخلية المسربة تحدثت صراحة عن “تنظيف الخوادم”، ما يطرح أسئلة مخيفة حول من يملك القدرة على تعطيل العدالة من الداخل.
وقد ظهر تصدع المؤسّسات إلى العلن حين رفض مدير الـFBI كاش باتيل ما وصفه بـ”نظريات المؤامرة”، معتبرًا أن “الملف مغلق ولا أساس له”، ما أثار سخرية الصحفيين والنشطاء، بينما هدد نائبه دان بونجينو بالاستقالة، متهمًا بام بوندي بـ”خرق الإجراءات البروتوكولية” في التعامل مع الملفات، في إشارة إلى وجود صراع داخلي حقيقي حول القضية.
وتتفاقم الشكوك حين نتذكر حادثة انتحار إبستين عام 2019، التي شابها الكثير من الغموض: إبستين وضع تحت المراقبة الانتحارية لمدة لا تتجاوز 48 ساعة، قبل أن “يفارق الحياة” في زنزانة تعطلت فيها الكاميرات فجأة في الليلة ذاتها، وتغيب فيها الحراس “بمحض المصادفة”. واليوم، تدّعي وزارة العدل أن إبستين “لم يترك قائمة عملاء”، رغم أن مذكراته الشخصية التي تم تسريب أجزاء منها، احتوت على أسماء لشخصيات عالمية نافذة.
وتأخذ القضية بُعدًا أكثر تعقيدًا حين يدخل العامل الجيوسياسي على الخط. فقد أعاد الإعلامي تاكر كارلسون إحياء فرضية أن إبستين كان يعمل كأداة استخباراتية لصالح إسرائيل، مشيرًا إلى علاقاته الوطيدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، وزياراته المتكررة لمراكز أبحاث محسوبة على المصالح الإسرائيلية. كما أشار الكاتب الأمريكي كريس هيدجز إلى وجود أكثر من مئة شخصية من شركاء إبستين تربطهم صلات مباشرة بإسرائيل أو بنخب أمنية دولية، ما يدعم نظرية أن شبكة إبستين لم تكن تعمل فقط للمتعة الجنسية المريضة، بل أيضًا للابتزاز، غسل الأموال، والتأثير على قرارات استراتيجية أمريكية.
الخطير في المشهد أن الانقسام لم يعد مجرد خلاف حول الرواية، بل تصدع حقيقي داخل مؤسسات الدولة. نائب مدير الـFBI يهدد بالاستقالة، المدعية العامة المؤيدة للرئيس تواجه اتهامات داخلية، ووسائل الإعلام المستقلة تتهم مكتب التحقيقات والبيت الأبيض بالتواطؤ والتعتيم. في المقابل، يُحوّل ترامب التركيز إلى قضايا أخرى مثل “تزوير الانتخابات” و”الملف النووي الإيراني”، معتبرًا أن الحديث عن إبستين “إلهاء” متعمد من الحزب الديمقراطي، داعيًا مؤيديه إلى تجاهل ما أسماه “القضية الميتة”.
لكن هذا التجاهل لا يمحو السؤال الجوهري: لماذا لا يتم الإفراج عن الملفات؟ ولماذا يتم التعامل مع المطالب بالشفافية كأنها تهديد للأمن القومي؟ هل الخوف ناتج عن وجود شخصيات قريبة من ترامب أو داعمين له ضمن قائمة إبستين؟ أم أن الدولة العميقة تمارس ضغوطًا هائلة لعدم كشف الروابط التي قد تفضح شبكات دولية أوسع بكثير من مجرد مجرم منحرف؟
في خضم هذا التوتر، يواصل الضحايا السابقون لإبستين المطالبة بالحقيقة. الناشطة ناتالي هاس، إحدى الناجيات، عبّرت عن خيبة أملها قائلة: “ترامب باعنا. وعدنا بكشف الحقيقة. لكنه الآن يسكت من يطالب بها.” فيما كتب إيلون ماسك، بأسلوبه المباشر، أن “الملفات كان يجب أن تُنشر منذ عام. فما سبب هذا الصمت؟”
الجواب على هذا السؤال ليس بسيطًا، لكنه كفيل بأن يحدد إن كان النظام الأمريكي لا يزال يملك القدرة على محاسبة النخب، أم أنه استُسلم بالكامل لهيمنة السلطة والثروة. لقد أصبحت قضية إبستين مرآة لضمير دولة، ومقياسًا لتماسك مؤسساتها. والمفارقة أن المعركة الحقيقية اليوم لا تدور بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل بين العدالة والنسيان، بين من يسعى للحقيقة، ومن يسعى لدفنها.



إرسال التعليق