داخل مستشفى في غزة: جراح بريطاني يروي ما يشهده بنفسه
*إعداد وتعريب د. زياد الزبيدي بتصرف عن الانجليزية *
ساشا بفايفر – مجد الوحيدي – أليس وولفل
إذاعة NPR الأمريكية
تحذير للمستمعين والقراء: هذه المحادثة تحتوي على أصوات إطلاق نار ووصف صادم للعنف ضد الأطفال والمراهقين.
في إحدى صوره المأساوية المتكررة، تمر السيارات والمارة بجوار سور مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة في 13 مايو 2025. مبنى المستشفى بنيته خارجية بنية اللون، ويتكون من خمسة طوابق تقريبًا، وقد تضرر بفعل قصف إسرائيلي فجر ذلك اليوم، وتظهر لافتة حمراء على المبنى كتب عليها “الطوارئ” باللغتين العربية والإنجليزية.
الطبيب البريطاني يتحدث من قلب الجحيم
الدكتور نيك ماينارد، جراح بريطاني من أكسفورد، زار غزة على مدى 15 عامًا، حيث عمل على تدريب الأطباء الشبان والجراحين الفلسطينيين، وارتبط بعلاقة إنسانية عميقة مع بعضهم، من بينهم طبيبة فلسطينية أصبحت لاحقًا جزءًا من عائلته.
ولكن منذ إندلاع الحرب بين إسرائيل وغزة في أكتوبر 2023، تغيّرت مهمته بشكل جذري. ففي زيارته الحالية، لا يقتصر عمله على التدريب، بل يقوم بإجراء عمليات جراحية طارئة تحت وابل من النيران، ويعالج أطفالاً يعانون من سوء التغذية، ويتعامل يوميًا مع مصابين بإصابات مروعة.
من داخل مستشفى ناصر – أكبر مستشفيات خان يونس – يصف ماينارد لنشرة “Morning Edition” من إذاعة NPR الوضع الطبي بأنه “نظام صحي منهار”، ويؤكد أن ما يجري هو “محاولة منهجية من قبل إسرائيل لتفكيك البنية التحتية المدنية في غزة”، مع نقص شديد في المستلزمات، ووفاة أطفال حديثي الولادة بسبب الجوع، وإصابات متكررة لأطفال أُطلق عليهم الرصاص أثناء محاولتهم الوصول إلى الغذاء.
ويقول إن إطلاق النار هذا “ليس عشوائيًا”.
“الضحايا غالبًا ما يكونون من الذكور في سن 11 إلى 14 عامًا، يتم إطلاق النار عليهم عند نقاط توزيع الطعام. وقد رأينا ذلك كثيرًا خلال الأسابيع التي كنت فيها هنا”، قال ماينارد.
نفي إسرائيلي وتقارير متضاربة
الجيش الإسرائيلي نفى في رده على إستفسارات NPR أنه يتعمد إستهداف المدنيين، وأكد في بيان له: “نرفض بشكل قاطع الإدعاءات حول إلحاق الأذى المتعمد بالأفراد، وهناك أوامر صارمة تمنع إستهداف القُصّر عمدًا. الحالات التي تقع عند نقاط توزيع المساعدات قيد التحقيق.”
لكن ماينارد وزملاءه لاحظوا نمطًا غريبًا ومثيرًا للقلق: “رأينا مجموعات متكررة من نفس نوع الإصابة: يومٌ نرى فيه إصابات بالرأس، واليوم التالي إصابات بالبطن، واليوم الذي يليه إصابات في الرقبة. هذا يتجاوز حدود الصدفة.” “إن التكرار في نمط الإصابات يجعل الأمر صادمًا للغاية، وقد لاحظه جميع من يعمل في المستشفى: أطباء الطوارئ، الجراحون العامون، أطباء المسالك البولية، جراحو الأعصاب – الجميع أدرك وجود هذا النمط.”
الجوع يحكم المشهد… والصراع يتحول إلى معارك من أجل الغذاء
يقول الدكتور ماينارد إن معظم مرضاه يعانون من سوء تغذية حاد، مما يجعل الشفاء من الإصابات أمرًا شبه مستحيل.
“ما نشهده ليس دمارًا عرضيًا، بل تدمير مُمنهج ومدروس.”
“أعتقد أن هناك خطة واضحة لمحو سكان غزة من هذا المكان”، قال ماينارد لإذاعة NPR.
“إنهم لا يستهدفون حماس فحسب، بل يقتلون عمدًا آلاف المدنيين الأبرياء من خلال منع دخول الغذاء والدواء والمساعدات.”
عندما طلبت NPR تعليقًا رسميًا من الجيش الإسرائيلي حول تصريحات ماينارد بخصوص “التدمير المتعمد للبنية التحتية للحياة في غزة بهدف التطهير العرقي”، أحالتهم وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى الحكومة، والتي أعادت بدورها الرد إلى الجيش، دون تقديم إجابة واضحة.
مقتطفات من الحوار الذي أجرته ساشا بفايفر
سؤال – ما الذي يمكنك أن تخبرنا به عن مسألة الحصول على الغذاء في غزة؟
جواب – الوصول إلى الطعام في غاية الصعوبة. كان هناك العديد من نقاط التوزيع التابعة للأونروا سابقًا، لكنها توقفت منذ عدة أشهر. حاليًا، توجد أربع نقاط توزيع تابعة لما يسمى “مؤسسة غزة الإنسانية”، لكنها لا تكفي لإطعام السكان، مما يخلق فوضى وعنف.
سؤال – صوت إطلاق النار الذي نسمعه الآن في الخلفية – هل هو ناتج عن قتال؟ دفاع؟ ما الذي يحدث تحديدًا؟
جواب – على الأغلب هذا قتال بين عائلات أو مجموعات مسلحة تتصارع على الطعام. رأينا ذلك عدة مرات. إنه ليس قتالًا بين الجيش الإسرائيلي أو حماس، بل صراعات محلية ناتجة عن الجوع واليأس.
سؤال – هل لاحظت هذا في زياراتك السابقة؟
جواب – الأمر تفاقم بشدة. رأيت مؤشرات على سوء التغذية في ديسمبر 2023 ويناير 2024، لكنها لم تكن بهذا السوء. الآن الوضع كارثي.
سؤال – ما نوع الإصابات التي تراها في غرفة العمليات؟
جواب – الجيش الإسرائيلي يستخدم قنابل إنشطارية تطلق آلاف الشظايا الصغيرة، والتي تمزق الجسم من الداخل، وتدمر الأعضاء الحيوية. أُجري غالبًا عمليات على إصابات في البطن والصدر. الشظايا تُحدث دمارًا داخليًا مروّعًا. كما نلاحظ نمطًا في الإصابات حسب الأيام – يومًا إصابات في البطن، ويومًا في الرأس، وآخر في الرقبة.
سؤال – هذا إتهام خطير جدًا. ألا يمكن أن تكون مصادفة؟
جواب – عندما يدخل إلى المستشفى خلال ساعة واحدة أربعة مراهقين تعرضوا لإصابات في الخصيتين، وهو أمر لم نره من قبل – فهذا يتجاوز حدود المصادفة. وعندما يرى طبيب الطوارئ 12 مراهقًا مصابين برصاص في الرأس والرقبة في الوقت نفسه، فهذا لا يمكن أن يكون عشوائيًا.
سؤال – قلت إن ما يجري هو “عقاب جماعي لسكان غزة”. ما الهدف النهائي برأيك؟
جواب – أرى بوضوح خطة تهدف إلى محو سكان غزة. لا أعتقد للحظة أن الأمر يقتصر على إستهداف حماس. هناك قتل متعمد للمدنيين من خلال منع المساعدات، وتدمير المستشفيات، وتفكيك المعدات مثل أجهزة غسيل الكلى، وتدمير الزراعة، والصيد، ومحطات المياه – هذا تدمير ممنهج للبنية التحتية للحياة هنا، بهدف واضح هو التطهير العرقي وإجبار السكان على الرحيل.
سؤال – لماذا تستمر في العودة إلى هذا المكان رغم كل هذا الرعب؟
جواب – بدأت المجيء إلى غزة عام 2010. أحب هذا المكان، وأصبحت لدي عائلة هنا. ما يُرتكب بحقهم ظلم لا يحتمل. أشعر بالخجل لأن حكومتي – وحكومتكم – متواطئة. ولدي القدرة على المساعدة، لذا أشعر بواجب ساحق أن أعود مرارًا وأبذل ما أستطيع.



إرسال التعليق