الأخطر من كل ذلك.. موت الضّمير!

——-

*
م. فوزي
الجزائر
*
تقول الآية الكريمة: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) – صدق لله العظيم. وتشاء الأقدار أن نكون نحن آخر الأجيال التي ستشهد – ربما – ”الملحمة الكبرى“؛ مجرّد ”تكهّن“. ولكن، مع ظهور بعض الإرهاصات، بدأ المشهد يأخذ في الاكتمال. فالحروب عموما بدايتها ”زلّة“، ونهايتها وخيمة ومؤلمة على الإنسان.
الحرب المشتعلّة في غزّة بدايتها ”فلم“ لا تتجاوز مدّته سويعات قليلة، اعتقدنا خلالها أن اسطورة ”الجيش الذي لا يقهر“ قد تحطّمت على السيّاج الفاصل بين القوّتين المتآخين للحدود، ولم نكن ننتظر مثل هذا السيناريو وأن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه في الأيّام الأخيرة. ذلك، لأن الذي بدأ الحرب لم يكن يتوقّع مثل هذه النهاية، وإلّـا ما كان قد تجرّأ على فتح باب جهنّم على نفسه وأهله والمنطقة كلّها.
أمام هذه المشاهد المؤلمة التي تأتيه من غزّة،يقف العالم يائسا عاجزا لا يستطيع أن يحرّك ساكنا. مشاهد تدلّ على موت الضّمير الانسانيّ، و أنّه لم يتبقّ الكثير على نشوب الحرب الكونية التي ستكون هي الفيصل بين جدلية ”الخير والشر“؛ الجدلية الأزلية التي ظلّت تحكم العالم بشيء من التوازن على الأقل. و”النبوءة“ التي صارت حديث العامّة والخاصّة، و القادة المجرمون.
ما جعل الناس يتساءلون: هل هي ”لعنة“، كلعنة من سبقونا من الأمم، أصابت العالم؟
وهل هي نبوءة بالفعل؟
ولكنها لعنة الفساد و”كرة الثلج المتدحرجة“، والتي كبرت حتى طالت العالم برمّته ولم يعد بإمكان أيّ أحد إيقافها. وليس غريبا أو مفاجئا، أن يعم الفساد كل شيء في هذا العالم؛ ويجتاح كل ما يجري ويقع من فوق الأرض ومن تحتها. فساد يدفع ثمنه مخلوقات بريئة مثل البيئة والحيوانات البريئة. فساد مصدره أفعال ”لا واعية“ تعكس رغبة الإنسان الجامحة في تسخير الكون وترويض البشر.
إذا كانت الأسباب التي أدّت إلى تدمير البيئة العذراء معلومة وبائنة، تتجسّد في المصانع الكبيرة والمفاعل التي تنفث سمومها في الأجواء وتعبث بمعالم الحياة النّقيّة، ولم ينج من خطر سمومها حتى الكائنات الحيّة في البحار والمحيطات، فإن الأخطر من ذلك هو ”موت الضّمير“ في الإنسان، وسقوط الأخلاق من رزنامة أعماله.
إن صور الجوع والإبادة الجماعية التي تأتينا من غزّة ”الضحيّة“ وليس ”الأبيّة“؛ وأنا أعي ما أقول، لم يسبق أن شاهدها العالم إلّـا خلال الحروب الكونية، ممّا يدلّ على أنّنا على أبواب حرب كونية أخرى ثالثة. لكنها لن تكون تقليدية كسابقاتها هذه المرّة. وما يزيدنا تأكيدا، هو تواطؤ القوى العالمية مع قادة الحرب المجرمين.
كل شعوب العالم ومعها الأنظمة المنافقة الخانعة تستنكر وتندّد بما يقع في غزّة؛ باستثناء البيت الأبيض؛ المموّل الرّيسي والمشجّع للحروب وما يقع في هذا العالم من ظلم وجور. ما جعل عقلاء هذا العالم يطرحون السّؤال الكلاسيكي القديم المتجدّد: من يحكم العالم؟
”من يحكم العالم؟“ سؤال لطالما راود كثيرا من النّاس؛ بمن فيهم أصحاب نظرية المؤامرة. وهل حقّا هم أنفسهم الذين كانوا وراء الحروب الكبرى بما في ذلك الكونيّتين الأولى والثّانية؟
يقول المثل ”إذا أردت معرفة المجرم فابحث عن المستفيد“.
”العم سام“؛ وليس من الصدف أو الغريب أن يكون هذا الاسم مشتقّا أو له علاقة ”بمحاربة السّامية “: خلال الحرب العالمية الأولى، ظهر ”العم سام“ في العديد من الملصقات التي تدعو للتجنيد في الجيش الأمريكي. أحد أشهر هذه الملصقات هو الملصق الذي يظهر فيه ”العم سام“ مشيرًا بإصبعه نحو المشاهد وعبارة “أنا أريدك في الجيش الأمريكي” (I Want You for U.S. Army).
العم أو الأنكل سام (Uncle Sam) هو تجسيد وطني للولايات المتحدة الأمريكية، وغالبًا ما يُستخدم في الملصقات والرسوم الكاريكاتورية للإشارة إلى الحكومة الأمريكية أو الأمة ككل، خاصةً في أوقات الحرب أو الأزمات. أما “العم سام” الحقيقي فقد ظهر في مطلع القرن التاسع عشر: رجل جزّار اسمه (صموئيل ويلسون)، عمل مورّدا للسّلع والبضائع التموينيّة للجيش الأمريكي. السؤال الذي يطرح نفسه: كم من سام ينفث سمومه في البيت الأبيض لإشعال فتيل فتيل الحرب و إطالتها من الحروب التي نشبت وتنشب في هذا العالم، بما في ذلك التي تدور رحاها في غزّة؟
حين تخلّت البشرية عن الأخلاق والأديان، ظهر الفساد ظهر الفساد وعم وانتشر بصورة رهيبة. تخلّي البشر عن الأخلاق الحميدة أدّى إلى موت الضّمير والقيّم. وحين يتخلّى الإنسان عن مبادئه تحلّ الكارثة ومعها تزول كل القيّم. ويطغى النفاق والكذب والريّاء ويظهر التملّق في أبهى الصوّر؛ بعضه هواية، وبعضه الآخر مهنة للتمعّش والتكسّب.
من مظاهر هذا الفساد ”المعنويّ“ كذلك، تهميش الكفاءات، وقتل الأحرار وسجنهم، ومطاردتهم في كل مكان. ومن مظاهره الأخرى أيضا، ظهور ”الرّويبضة“ بمظهر العالم الفقيه، وتولّي الرعاع والفاسدين مقاليد الحكم ومناصب الدولة. وهؤلاء هم من يتصدّرون الآن المشهد السيّاسي، وما يقع في غزّة مثال حيّ؛ يذرفون الدّموع”دموع التماسيح“ ليوهموا النّاس بمشاعر المخادعة والنّفاق.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك