ماهو المتوقع !؟

حسن مدبولى

في الأسابيع الأخيرة، أثارت تصريحات متكررة من إعلاميين محسوبين على الحكم فى مصر تساؤلات لافتة، بعدما حذّروا بصياغات مباشرة وغير مباشرة من قرب وقوع “حدث كبير” قد يغيّر المشهد في مصر. اللافت أن هذه التصريحات لم تأتِ من شخصيات هامشية أو مجرد محللين مغمورين، بل من وجوه إعلامية لها صلات وثيقة بدوائر صناعة القرار، ما يمنحها ثقلًا غير محدود،
تزامن ذلك مع تحليلات صادرة عن بعض أعضاء “النخبة السياسية”، تحدثت صراحة عن احتمال اندلاع حرب إسرائيلية جديدة، لا تستهدف النظام المصري بقدر ما تستهدف أرض سيناء، في إطار مخططات تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للمنطقة عبر توطين فلسطينيي غزة – وربما لاحقًا من الضفة والداخل – داخل الأراضي المصرية.
ورغم أن فكرة إعادة احتلال سيناء بالقوة تبدو حتى اللحظة مستبعدة عسكريًا، فإن التطورات الأخيرة لا تسمح بالاطمئنان الكامل، خاصة مع تصاعد وتيرة الأحداث المؤلمة في الداخل، والتي توحي بوجود نمط مقلق.
بدأت تلك السلسلة بحادث غامض أودى بحياة 19 فتاة شابة في ظروف لم تُكشف ملابساتها بالكامل، أعقبه تكرار حوادث القطارات بطريقة غير معتادة، ثم جاءت فاجعة احتراق سنترال رمسيس، التي شلت خدمات الاتصالات والربط الشبكي في مختلف أنحاء البلاد.
هذه الوقائع، إذا نُظر إليها مجتمعة، لا تبدو مجرد مصادفات معزولة، بل أقرب إلى “إشارات تحذيرية” أو مقدمات تنفيذية لما أُطلق عليه اسم “الحدث الكبير”.
والمقلق أن تكون تلك الحوادث، في طبيعتها وتوقيتها، تعبيرًا عن نمط جديد من الهجمات، ليس بالضرورة أن يكون عسكريًا تقليديًا، بل يعتمد على أدوات الحرب الحديثة: التخريب الإلكتروني، والهجمات السيبرانية، واستهداف البنى التحتية الحيوية، وكلها أساليب يمكن تنفيذها دون الحاجة لإعلان حرب أو عبور جيوش.

وهذا السيناريو ليس خيالًا، فقد رأينا كيف اغتيل قادة في حزب الله والحرس الثوري الإيراني باستخدام طائرات مسيّرة وتقنيات عالية الدقة، دون أن تُطلق رصاصة واحدة. وقبل تلك الأحداث وقعت عدة حرائق غامضة فى منشآت حيوية فى طهران تشبه فى ما وقع أخيرا بسنترال رمسيس،
فتلك الأساليب القذرة أصبحت في عالم اليوم، أكثر فاعلية من الجيوش،

لكن يبقى سؤال هام جدا وهو لماذا تستهدف مصر فى الوقت الراهن !؟
الإجابة لا تتعلق بعداء مع النظام المصري، بل بما تمثله سيناء من موقع استراتيجي، وبالموقف المصري الصارم منذ بدء عملية “طوفان الأقصى”، حين أعلنت القاهرة بوضوح: لا لتوطين الفلسطينيين في سيناء. هذا الموقف، الذي يبدو أخلاقيًا وإنسانيًا من الخارج، مثّل صدمة صامتة لتل أبيب ولداعميها ممن كانوا يخططون لحل عملي سريع يتضمن تهجير سكان غزة إلى خارج القطاع، وتحديدًا إلى سيناء.
وإسرائيل تدرك أن الدخول في حرب مفتوحة مع مصر سيكلّفها الكثير، وقد لا يُفضي إلى النتائج المرجوة. لذلك يبدو انها تُرجّح كفة الضغط غير التقليدي، عبر إنهاك الدولة من الداخل، إشاعة الفوضى الوظيفية، استهداف مؤسسات حيوية، خلق شعور بالعجز العام، بحيث يصبح التخلي عن “أجزاء من سيناء” مجرد خيار واقعي لتجنّب الانهيار.
والهدف هنا ليس احتلالًا مباشرًا كما جرى في 1956 أو 1967، بل فرض أمر واقع جديد بوسائل ناعمة، متدرجة، تبدو داخلية المنشأ لكنها تُدار بأصابع خارجية. وهكذا، يتحول “الحدث الكبير” من تحذير غامض إلى مسار محسوب، لا يحتاج إلى حرب ليُفرض، بل يكفي أن تُنهك الدولة من الداخل، حتى تتنازل عن خياراتها دون قتال.

إرسال التعليق