الإدانات الغربية ،، وفقا لنوع الآلهة !!
حسن مدبولى
في صباح السابع عشر من يوليو 2025، استهدف الاحتلال الصهيوني كنيسة “العائلة المقدسة” (Holy Family Catholic Church) في مدينة غزة، رغم أنها كانت تؤوي أسرًا آمنة من نيران الحرب،وكانت تضم أطفالًا ومسنين ومهجرين.حيث أسفر القصف عن مقتل ثلاثة أشخاص، وإصابة نحو عشرة آخرين، بينهم القس جبرائيل رومانيللي.
وعلى الفور، انهالت الإدانات السياسية والدينية من الغرب. فقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني عن إدانتهم الشديدة للهجوم، كما أصدر البابا ليو الرابع عشر بيانًا غاضبًا يصف فيه القصف بأنه جريمة مروعة. كذلك اعتبر الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، البطريرك اللاتيني” للقدس” أن ما حدث يمثل “اعتداءا مباشرا على الكنيسة” داعيًا إلى تحقيق دولي عاجل.
أما البطريرك ثيوفيلوس الثالث، بطريرك الروم الأرثوذكس، فقد زار موقع الكنيسة بصحبة بيتسابالا، وأدانا معا الحدث بلهجة صارمة.
وعلى الصعيد الإسلامي، أصدرت منظمة التعاون الإسلامي بيانًا يدين الهجوم، فيما عبّرت وزارة الخارجية السعودية عن استنكارها الشديد، ووصفت استهداف المدنيين وأماكن العبادة بأنه “انتهاك صارخ” يستوجب تحركًا حازمًا من مجلس الأمن. كما أصدر كل من مفتي الديار المصرية ووزير الأوقاف بيانات مشابهة.
لكن مؤسسة الأزهر الشريف في مصر التزمت الصمت حتى اللحظة، ولم تُصدر أي تعليق حول الحادث، في موقف قد يبدو محيّرًا للوهلة الأولى، لكنه يصبح مفهومًا عند النظر إلى الصورة الكاملة.
ففي غزة ذاتها، دمّر الاحتلال الصهيوني خلال عدوانه أكثر من 1244 مسجدًا تدميرًا كليًا أو جزئيًا، أي أنه قصف كل المساجد في القطاع تقريبًا، بما في ذلك المساجد التاريخية العريقة. وعلى رأسها المسجد العمري الكبير (Great Omari Mosque)، أقدم وأكبر مساجد غزة، والذي يعود تاريخه إلى أكثر من 1400 عام. حيث سوّيت جدرانه بالأرض، ولم يتبقَ منه سوى المئذنة المملوكية التي أصيبت هي الأخرى بأضرار جسيمة. كذلك تضرر مسجد السيد هاشم (Sayed al-Hashim Mosque) في المدينة القديمة، وهو من المساجد ذات القيمة الدينية والتاريخية النادرة جرّاء غارات متتالية فى أكتوبر 2023.
ورغم هذا التدمير الهائل للمقدسات الإسلامية، لم يصدر عن الفاتيكان، ولا عن الكنائس الأرثوذكسية أو الإنجيلية أو أي مؤسسة دينية مسيحية في الشرق و الغرب، بيان إدانة واحد، ولو شكلي، يشير إلى هذا العدوان الصارخ على المساجد وقتل المصلين واللاجئين داخلها.
إن هذا التباين الصارخ في ردود الفعل، وهذه الازدواجية الفاضحة في ميزان القيم، يطرح سؤالًا وجوديًا: هل أصبحت الإدانات في عالم اليوم تُوزّع حسب نوع الديانة، لا حسب فداحة الجريمة؟ وهل قيمة الإنسان والمكان ترتبط بنوع “الإله” الذي يُعبَد فيه؟!
إن الموقف الغربي لا يحرج فقط المؤسسات الدينية الإسلامية، بل يعرّي خطاب “الضمير الإنساني العالمي” الذي لم يعد يرى ولا يسمع، إلا حين تُستهدف كنيسة، لا مسجدًا. وكأن الآلهة – في عرفهم – ليست سواسية، ولا يستحق الجميع العدالة والرحمة نفسها!



إرسال التعليق