توماس باراك يجمّل وجه السلطة المركزية ويزوّر حقيقة التحالف الأمريكي مع الكورد

د. محمود عباس

توماس باراك يجمّل وجه السلطة المركزية ويزوّر حقيقة التحالف الأمريكي مع الكورد

1/2

من المؤسف أن تُترك سوريا، ومعها الشعب الكوردي في غربي كوردستان، رهينة لتصريحات متتالية متناقضة، إلى حد البؤس، ولخطاب يشكّل انحرافًا فجًّا عن المبادئ الأمريكية التي طالما رفعتها واشنطن، خطابٌ يصوغه مبعوث يحمل الجنسية الأمريكية، لكنه يتحدث بعقلية عربية الهوى، تركية النزعة، سنّية الحسابات، في تناقض صارخ مع خلفيته الآرامية، التي يتنكر لها كما لو أنه يطوي صفحات ذاكرته الثقافية طوعًا، شخصية مرتبكة سياسيًا، ضحلة في فهمها التاريخي، سهلة الانقياد أمام الإملاءات الإقليمية، وتتصرف وفق مصالح آنية، لا تعكس مطلقًا إرادة الدولة التي تمثّلها.

في واحدة من أكثر اللحظات خذلانًا للدبلوماسية الأمريكية في سوريا، خرج توماس باراك، المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا ولبنان وسفير أمريكا في أنقرة، بتصريحات عبر قناة روداو، اليوم بتاريخ 9/7/2025م لم تكن إلا سقطة أخلاقية وفضيحة سياسية مكتملة.

لم يظهر الرجل كمبعوث لدولة عظمى، بل كناطق باسم أنقرة، يردد خطاب القومية الطورانية بكل عنجهيتها، “شعب واحد، لغة واحدة، دولة مركزية واحدة”، مكرّسًا بذلك منطق الإقصاء ذاته الذي حاولت الجمهورية التركية فرضه على الكورد لمئة عام، والمأساة أنه لا يسخر هذه المقولة لصالح تركيا فحسب، بل لإعادة فرض الهيمنة القومية العربية في سوريا، متجاهلًا عقودًا من الإنكار والإبادات الثقافية واللغوية، ودماء سالت فقط كي يقول الكوردي: “أنا موجود”.

أن ينقلب باراك على تصريحه الأخير بخصوص سايكس–بيكو، ويتنصل من الاعتراف بالكورد كشعب له قضية وحق، ويرفض الفيدرالية اللامركزية التي تُشكّل جوهر الرؤية السياسية الكوردية، فذلك لا يمكن تصنيفه على أنه خطأ شخصي، بل هو تماهٍ واضح مع مشروع إقليمي يهدف إلى إقصاء الكورد من المشهد السوري. إنه يتعارض صراحة مع مواقف وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين، بل ومع تراث بلاده السياسي، الذي طالما تبنّى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، كما نادى به الرئيس وودرو ويلسون نفسه.

باراك، بموقفه هذا، لا يخالف فقط السياسة الأمريكية الرسمية، بل يضع نفسه في موقع النقيض من المواقف العلنية للبيت الأبيض والبنتاغون، اللذين دعما قوات سوريا الديمقراطية بالسلاح والمال والتدريب منذ معركة كوباني وحتى اليوم، وكان آخرها تقديم 130 مليون دولار ضمن ميزانية وزارة الدفاع لعام 2026، كيف يمكن لمبعوث أمريكي أن يُقصي الكورد من مستقبل سوريا بينما تعتبرهم القيادة العسكرية الأمريكية “الشريك الأكثر موثوقية في الشرق الأوسط”؟

وحين تجرأ باراك على انتقاد اتفاقية سايكس–بيكو، وندّد بالعبث الجيوسياسي الذي أنتج خرائط مشوّهة في المنطقة، كان من المنطقي أن يُكمل المسار، بالإتيان على ذكر كوردستان كأحد أبرز ضحايا هذا العبث، وككيان يتشكّل على المسرح الإقليمي بوصفه أمرًا حتميًا، لكنه بدلاً من ذلك، انقلب على منطقه، ليهاجم الفيدرالية، ويروّج لدولة مركزية بلغة واحدة وقومية واحدة، وكأنما يعيد إنتاج خطاب البعث، لكن بلكنة دبلوماسية مصقولة، أكثر خديعة وخطورة.

التصريحات الكارثية التي أطلقها باراك لا تعكس موقف وزارة الخارجية، ولا تتقاطع مع ما صرّح به وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه الداعمة علنًا للكورد، ولا مع رؤية لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، ولا حتى مع السياسات المعلنة من قبل البيت الأبيض، بل جاءت نتيجة تخبط رجل يملك صلاحيات مباشرة من الرئيس ترامب.

وفي هذا المشهد الملتبس، تبرز أهمية موقف (الهيئة الكوردية) المنبثقة عن كونفرانس قامشلو، التي لا تزال تطالب بحقوق الكورد ضمن سوريا فيدرالية لا مركزية، بينما تُقابل بالتجاهل، والمماطلة، وتلقي رسائل سياسية باردة من حكومة انتقالية تدار بإملاءات تركية مباشرة، تلك الحكومة لا ترغب أصلًا بحوار جدي، بل تسعى لتقزيم القضية الكوردية، وإعادتها إلى ما كانت عليه أيام البعث، ملف أمني يُبتّ فيه بين مخبر وضابط، لا قضية شعب.

إنهم لا يرفضون الحوار فقط، بل يراهنون على الزمن، على أن تضعف قسد، وتفقد الإدارة الذاتية زخمها الإقليمي، فينكسر ظهر الهيئة الكوردية، وتتحول من قوة تفاوض إلى طرف تابع، متناسين أن سند هذه الهيئة ليس فقط السلاح أو الإدارة، بل الشعب الكوردي الذي لا يزال يحمل ذاكرة النفي والرفض والمجازر، والذي لن يقبل بأن يُدار حاضره بمنطق الخداع الدبلوماسي نفسه.

الحكومة الانتقالية لا تحاور الآن لأنها تنتظر نيل الشرعية الدولية، وحين تنالها، كما يتوهمون، ستفرض منطق الغالب، دولة مركزية، لغة واحدة، قومية واحدة، وشركاء صامتون، أما مطالب المكونات، فستُرحّل إلى لجان وزارة الداخلية، كما لو أننا نعيش في جمهورية الأسد بلباس جديد.

توماس باراك يجمّل وجه السلطة المركزية ويزوّر حقيقة التحالف الأمريكي مع الكورد

2/2

لذلك فإننا نتوجّه بندائنا إلى الحراك الكوردي في غربي كوردستان، من الهيئة المنتخبة عن كونفرانس قامشلو، إلى الجنرال مظلوم عبدي، مرورًا بالسيدة إلهام أحمد، وصولًا إلى السيدة فوزة يوسف، لا لنطالب بالتصعيد أو التنازل، بل لنؤكد على ضرورة اتخاذ موقف واضح وحازم، يرفض التفاوض في الظلال، ولا ينخدع بلغة المجاملات الدبلوماسية.

فالخطاب الذي يروّج له توماس باراك لا يستند إلى قوة سياسية حقيقية، ويمكن دحضه بالمواقف الصارمة، إذا ما تم رفعها إلى وزارة الخارجية الأمريكية، والكونغرس، ووزارة الدفاع (البنتاغون)، وهي الجهات التي لا تزال تنظر إلى الشركاء الكورد بعين الاحترام والثقة، وتدرك حجم التضحيات التي قُدّمت في مواجهة الإرهاب.

يتطلب من الجنرال (مظلوم عبدي) أن يرد باسم المؤسسة التي تمثلها قوات قسد، القوة العسكرية الشرعية الوحيدة التي حاربت داعش جنبًا إلى جنب مع التحالف الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، وبصرامة دبلوماسية، وأن يرفض الانجرار إلى أي مشروع يعيد إنتاج مركزية دمشق بنكهة “هيئة تحرير الشام” أو تفاهمات تقاسم النفوذ التركي، فواشنطن لا تزال تدعمهم ميدانيًا، وتثق بهم، وتدرّبهم، وتمنحهم التمويل، ولا يمكن القبول بأن يتم اختصار هذه العلاقة السياسية الكبرى بكلمات مبهمة لمبعوث يغلب عليه الانتماء الثقافي لا التكليف الرسمي.

وعلى السيدة (إلهام أحمد) بصفتها مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، والمفوّضة بتمثيل الموقف السياسي والدبلوماسي الكوردي، أن تبادر إلى اتخاذ موقف واضح وحازم تجاه تصريحات توماس باراك، لا بمجرد اعتراض عابر، بل من خلال مراجعة سياسية مكتوبة تُوجَّه إلى وزارة الخارجية الأمريكية نفسها، تُفنّد فيها حجم التناقض الصارخ بين تصريحات مبعوثها الخاص، وبين السياسات الرسمية التي انتهجتها وزارتا الخارجية والدفاع منذ عام 2014 وحتى اليوم، والتي وإن لم تمنح الكورد كل ما يستحقونه، لكنها لم تتخلّ عن دعم الإدارة الذاتية يومًا.

ينبغي أن تفضح الرسالة الخلل السياسي في خطاب باراك، وأن تضع الخارجية الأمريكية أمام مسؤولياتها في توضيح ما إن كانت تصريحات ممثلها تعكس سياسة الدولة أم نزعة شخصية تتماهى مع سرديات إقليمية لطالما سعت إلى إقصاء الكورد، بل عليها أن تُسجّل بوضوح اعتراض الإدارة الذاتية على هذا الموقف المنحاز، وتؤكد أن ما جاء في خطاب باراك لا يمكن أن يؤسس لسوريا وطنية، بل هو ترويج مبطّن لإعادة إنتاج النظام البعثي الأسدي بوجه آخر، وبنَفَسٍ لا يقل استبدادًا عما سبق.

ويجب ألا تكتفي الرسالة بالتوضيح، بل أن تُقدَّم لتوماس باراك شخصيًا، وبشكل مباشر، كاعتراض رسمي يعبّر عن موقف الإدارة الذاتية والشعب الكوردي على حد سواء، ويبيّن أن ما صرّح به لا يعكس تطلعات الكورد ولا واقعهم السياسي، بل يتماهى مع سرديات إقصائية تم تبنيها تاريخيًا من أنظمة شمولية معادية لأي اعتراف بحق الشعوب، ينبغي أن تُعرّي الرسالة الخلل في منطقه السياسي، وتُظهر التناقض المريب بين الحليف الرسمي في الميدان، والمبعوث الذي يتحدث بلغة لا تمثّل أمريكا، بل تُعيد إنتاج خطاب سلطوي يحاول إعادة تدوير النظام البعثي بواجهة انتقالية كاذبة.

أما السيدة (فوزة يوسف) التي تتولى اليوم قيادة فريق التفاوض مع وزارتي الخارجية والداخلية وهيئاتهما ضمن حكومة أحمد الشرع، فهي لا تمثّل مجرد طرف تفاوضي، بل تمثل ثقلاً جيوسياسيًا متكاملًا، قوة ديمغرافية، وجغرافية، وعسكرية، مدعومة دوليًا، لا تقل وزنًا أو شرعية عن مركز القرار في دمشق، وعليه، فإن من مسؤوليتها الوطنية والسياسية أن ترفض بصوت واضح وموقف حازم أي تصور لدولة مركزية تُعاد صياغتها بواجهة انتقالية مخاتلة، لأن الفيدرالية لم تعد مطلبًا كورديًا فحسب، بل تحوّلت إلى مطلب جوهري لجميع مكونات سوريا الباحثة عن عقد اجتماعي جديد، يُنهي عهد الهيمنة ويؤسس لحكم تشاركي فعلي.

عليها أن تطرح هذه الرؤية بثقة، لا كتسوية، بل كضرورة وطنية، وأن تذكّر من تحاورهم بأن الفيدرالية اللا مركزية ليست فكرة طارئة، بل تمثّل توجهًا واضحًا في الرؤية الأوروبية والأمريكية لمستقبل سوريا، منذ أن بدأ الحديث عن إعادة هيكلة الدولة السورية بعد عام 2011، أما ما يحاول توماس باراك تمريره من تصورات مركزية، فهي في حقيقتها تمثيل صريح للمصالح التركية، لا لأجندة واشنطن الاستراتيجية، التي تقوم على توازن القوى وليس تكريس الهيمنة.

فإن سارت الأمور وفق ما يرغب به باراك، فإننا سنعيد استنساخ تجربة بول بريمر في العراق، الذي همّش الكورد تحت ضغط التوازنات السنية–الشيعية، فكانت النتيجة غرق بغداد في مستنقع الفساد، وابتلاعها من قبل النفوذ الإيراني، ولو لم يكن هناك موقفٌ صلبٌ من السيد الرئيس مسعود بارزاني، الذي واجه سياسات بريمر بتصميم تاريخي، لكانت كوردستان اليوم لا تعدو كونها محافظة تابعة للجنوب العراقي، بلا هوية، ولا حكم ذاتي، ولا كرامة وطنية.

على الكورد أن يدركوا جيدًا أن بعض تصريحات توماس باراك لا تمثّل إستراتيجية الولايات المتحدة، بل تعكس ارتباكًا شخصيًا أو خضوعًا لضغوط إقليمية، تصريحه الأول حول سايكس–بيكو تم تعديله لاحقًا، على الأرجح بتوجيه من الخارجية الأمريكية، وتصريحه الأخير على قناة روداو، قد يلقى المصير ذاته، وعن قريب، لذلك، لا ينبغي أن يقف الكورد موقف المتفرّج أمام هذا الانحراف السياسي، بل عليهم أن يردوا بدبلوماسية واضحة وحازمة، تؤكد أن القضية الكوردية لا تُقزَّم، ولا تُختزل، ولا يُساوَم عليها.

أي حكومة سورية قادمة، إن لم تُبنَ على عقد اجتماعي جديد يعترف بتعدّد القوميات واللغات، فهي ساقطة سلفًا، حتى وإن حملتها واشنطن على أكتافها.

وليُدرك الجميع أن لا مستقبل لسوريا دون الكورد، ولا استقرار بدون نظام فيدرالي لا مركزي يضمن الحقوق قبل الخرائط.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك