بريكس والدولار

رحيم حمادي غضبان

منذ أن تأسست مجموعة بريكس (BRICS) كتحالف اقتصادي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، كان هدفها المعلن هو السعي نحو نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا وعدالة، يحد من هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة العالمية والاحتياطيات النقدية، وقد تضاعف هذا التوجه في السنوات الأخيرة مع تصاعد الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية، خاصة بعد الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا، مما دفع موسكو وبكين إلى تسريع الجهود لإيجاد بدائل عملية للدولار في التبادلات التجارية والاستثمارات الدولية، وعلى الرغم من أن الدولار لا يزال يحتفظ بنسبة تفوق 58% من الاحتياطيات العالمية، فإن الاتجاه نحو التخلي التدريجي عنه أصبح واقعًا تتعامل معه الأسواق والمصارف المركزية بجدية متزايدة، وفي هذا السياق يمكن فهم التوتر الواضح في خطاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حين أعلن أن “الدولار هو ملك العملات ولن نسمح لأي جهة أن تنال من قيمته”، إذ لا يُقرأ هذا التصريح بوصفه مجرد دفاع عن عملة وطنية، بل كرسالة تحدي واستنفار سياسي واقتصادي موجه إلى مجموعة بريكس التي باتت تمثل مشروعًا مضادًا للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وهذا التحدي لا ينبع فقط من الطموحات النظرية لأعضاء المجموعة، بل من خطوات ملموسة، مثل تأسيس بنك التنمية الجديد بديلاً عن مؤسسات بريتون وودز، والدعوات المتكررة لتسوية المعاملات التجارية بعملات محلية أو سلة عملات بديلة، وهو ما يهدد فعليًا بتقليص الطلب العالمي على الدولار، ومع تراجع الثقة في السياسة النقدية الأمريكية التي تعتمد على طباعة النقود وتضخيم العجز المالي، فإن فقدان الدولار لمكانته المتميزة قد يتحول من سيناريو مستبعد إلى احتمال وارد خلال العقود المقبلة، خاصة إذا ما ترافقت جهود بريكس مع انضمام دول مؤثرة مثل السعودية وإيران والإمارات ومصر، والتي يمكن أن توفر غطاءً نفطيًا وتجاريًا هائلًا لأي نظام بديل، وهنا يتضح أن التحدي لا يتعلق فقط بالدولار كعملة بل بالدور الأمريكي ذاته في صياغة القواعد الاقتصادية العالمية.

ومن جانب آخر فإن أوروبا، التي طالما كانت حليفة اقتصادية للولايات المتحدة، تواجه مأزقًا متزايدًا في ظل التحولات الجارية، إذ إن استمرار واشنطن في فرض سياسات ضريبية وتجارية متشددة على الصادرات الأوروبية، بدعوى حماية الصناعة المحلية أو مكافحة العجز التجاري، يدفع القارة العجوز إلى مراجعة تحالفاتها الاقتصادية على المدى البعيد، فالولايات المتحدة، خاصة في عهد ترامب، لم تتردد في استخدام الرسوم الجمركية كسلاح ضغط على الحلفاء قبل الخصوم، مما تسبب في تصاعد التوترات التجارية، وفتح الباب أمام نقاشات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مدى الاعتماد على السوق الأمريكية وضرورة تنويع الشراكات العالمية، وهذا يكتسب أهمية خاصة في ظل التباطؤ الاقتصادي الذي يعصف بأوروبا والتضخم المرتفع وأسعار الطاقة، وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي بحاجة ماسة إلى استقرار تجاري ونقدي يبتعد عن الصدامات مع الشركاء الكبار، وبالتالي فإن أي تهديد فعلي لمكانة الدولار سيؤثر بشكل مباشر على السوق الأوروبية، سواء من خلال اضطراب أسعار الصرف أو من خلال إعادة تشكيل العلاقات التجارية الدولية التي تعتمد بشكل أساسي على الدولار كوسيط مالي، ومع تصاعد الطموحات الآسيوية والروسية لتوسيع نفوذ بريكس وتحويلها إلى تكتل نقدي وتجاري مستقل، فإن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة للاختيار بين البقاء ضمن دائرة النفوذ الأمريكي بكل ما يحمله من تبعية استراتيجية، أو الانفتاح على تحالفات جديدة قد تتيح لها مرونة اقتصادية أكبر ولكن بثمن سياسي قد لا يكون بسيطًا، وفي كل الأحوال فإن تآكل الهيمنة الدولارية سيكون له ارتدادات زلزالية على النظام المالي العالمي، لن تسلم منها أوروبا، وستدفع الجميع لإعادة صياغة استراتيجياتهم النقدية والتجارية بما يتلاءم مع عالم متعدد الأقطاب تسوده المنافسة المالية وتفقد فيه العملة الأمريكية هالتها التقليدية كعملة لا غنى عنها.

إرسال التعليق