صفقة ترامب/نتنياهو: هدنة في غزة مقابل -شرق أوسط-إسرائيلي

عزالدين بوغانمي

في اللقاء الثالث منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، اجتمع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في واشنطن، وسط زخم إقليمي متسارع: حرب مفتوحة في غزة، تصعيد مستمر مع إيران، ضغوط وغليان في لبنان، ومحاولات أميركية لإعادة هندسة الشرق الأوسط بما يتلاءم مع مصحة إسرائيل وحسابات الولايات المتحدة الاستراتيجية.

الزيارة، التي وصفتها مصادر دبلوماسية بأنها “زيارة مفصلية”، لم تقتصر على مناقشة هدنة مؤقتة في غزة، بل جاءت كمحاولة لصياغة “صفقة سياسية-أمنية متكاملة” تتجاوز نطاق الحرب، لتطال الخرائط والتحالفات وملف التطبيع الإقليمي.

لكن، ورغم ما تبدو عليه المعادلة من تفوق سياسي أميركي وميداني إسرائيلي، فإن القراءة الدقيقة للمشهد تكشف توازنات أكثر تعقيدًا، ومفاجآت لا تزال ممكنة.

بسبب حرب الإبادة والتجويع يرتفع سقف الترقّب والرهانات في فلسطين، ففي صلب المقترح الأميركي، هدنة مؤقتة تمتد لـشهرين، تتضمن مراحل متبادلة من: إطلاق سراح رهائن إسرائيليين، انسحابات تكتيكية إسرائيلية من بعض مناطق القطاع.
ورغم ترحيب أولي من بعض الأطراف، فإن نتنياهو حرص، بخبث كبير، على ترك الباب مفتوحًا أمام “الضغط العسكري عند الضرورة”، ما يعني أن الهدنة لا تحمل ضمانات حقيقية للفلسطينيين. فكما هو معلوم غايته الحقيقية هي التهجير.

إدارة ترامب تُسوق هذه المبادرة كمدخل لإنهاء الحرب تدريجيًا. لكنّ الواقع الميداني في غزة، من حجم المجازر إلى فشل إسرائيل في تحقيق “صورة نصر”، يُقلّص فرص نجاح هذا المسار، ويجعل من التهدئة مجرّد محطة في حرب لم تُحسم.

لكن مقابل الخطة الأمريكية الإسرائيلية، والتي لا نعرف منها سوى جزئها المُعلن، هنالك محور المقاومة يتراوح بين الضغط والتهديد بتجديد ضرب إيران وإعادة التموضع. وبهذا المعنى فالصفقة كما تُطرح لا تغفل البعد الإيراني. ورغم أن إسرائيل دمّرت كل المنشآت العسكرية في سوريا، وواشنطن نفّذت عمليات نوعية استهدفت مفاعل “فُردو” الإيراني، إلا أن طهران ومحورها لم يُخرجوا أوراقهم كافة بعد.

فحزب الله، رغم الضغط الهائل على لبنان، ما زال يحتفظ بأوراق تصعيد مؤلمة. كما أن العراق واليمن لا يزالان يمثلان عمقًا استراتيجيًا قابلًا للاشتعال عند أي لحظة.

ما يجعل التحليل ناقصا أحيانا، هو أن محور المقاومة تلقّى ضربات قاسية أضعفته، ولكنه ليس في موقع الانهيار، بل هو في طور إعادة تضميد الجراح وترميم عناصر القوة وتوزيع الأوراق، وتقييم التوقيت المناسب لفرض معادلات جديدة. في المقابل ضغط طوفان الأقصى على إسرائيل ككيان مُلفّق حتى انقسمت إلى دون رجعة بين دولة الربّ التي تقودها غطرسة المستوطنين، ودولة الصهاينة ذات النمط الغربي..
ولهذا، أظنّ أن أي صفقة أميركية-إسرائيلية تتجاهل حقيقة التاريخ والجغرافيا ستكون هشة وقابلة للانفجار من الداخل.

التطبيع الخليجي سيجري على وقع الدم

جزء من ديناميكية اللقاء بين ترامب ونتنياهو تمحور حول إحياء مسار التطبيع، بعد تجميده بفعل العدوان على غزة. وأشارت بعض تسريبات إلى استعداد مبدئي من السعودية والإمارات للعودة إلى الطاولة، شرط “وقف الكارثة الإنسانية”. ووساطة مصرية-قطرية لتوسيع التهدئة نحو اتفاق دائم يشمل غزة والضفة، على أن تتقاسم دولة قطر الأعباء مع إسرائيل، فتتولّى إدارة جنوب غزة بمساعدة مصرية..

المملكة العربية السعودية وجمرة التطبيع الحارقة

إذا كانت حركة الثورة والتغيير التي انطلقت شتاء 2010 قد أطاحت بجزء أساسي من النظام الإقليمي الوظيفي، فإنّ الجزء المُتبقّي سينهار إذا أقدمت السعودية وبقية دول الخليج العربي، على التطبيع متجاهلة مشاهد الإبادة، ودون التمسّك بحلّ جذري للقضية الفلسطينية، هذه الجمرة الملتهبة التي يصعب مسكها.
والحقيقة أن ما يطرحه ترامب اليوم ليس جديداً تماما. إنه نسخة معدّلة من “صفقة القرن” التي طُرحت في ولايته الأولى، وفشلت. لكن الجديد هو عدم الإعلان عن خرائط وحدود. وكأنه استفاد من الدرس، فاختار هذه المرة التركيز على خطوات تدريجية: تهدئة 》 تنسيق أمني 》 تطبيع جزئي 》 تسويات اقتصادية 》حوار دون التورّط في التزام… وهكذا

بهذا الشكل، تتحول غزة إلى حقل اختبار دبلوماسي، وليس فقط ميدان حرب. لكن فرضية أن الفلسطينيين وشعوب المنطقة سيقبلون بهذه المقايضة ما زالت موضع شك كبير. فالميدان لا يزال فاعلًا، وفي هذا لابد من التذكير بأنّ توازن النار هو الذي يُملي توازن الطاولات. في غزة، لا مؤشرات توحي برفع الراية البيضاء. والجنوب اللبناني يكتم غيظًا عارما لو فاض هذه المرة لأغرق خريطة سوريا الكبرى، ووصل السيل إلى القاهرة. واليمن السعيد أثبت أنه مخلص حتى الموت. أما إيران، فعلى الرغم من تلقيها ضربات موجعة، لم تُظهر بعد مستوى الرد الذي يتناسب مع حجم التصعيد. ما يوحي بأن الردّ قد يأتي في توقيت وظرف يربك المعادلة، ويعيد فرض شروط جديدة على اللاعبين الإقليميين.

فهل هي هدنة أم كمين سياسي؟

لقاء ترامب–نتنياهو قد يكون تدشينًا لهدنة كما يُقال ونسمع. وقد يكون إعدادًا لحرب أكبر لإخضاع المنطقة بوسائل ناعمة في الخليج، وبالقنابل والمسيرات والمفاجآت الأمنية في طهران.

بكل الأحوال، مهما حاولنا رصد تطوّر الأحداث، من الصّعب التوصّل إلى استنتاجات منطقية في عالم يقوده رجلان منحرفان، واحد مجرم حرب، والثاني شريك مباشر في الإبادة الجماعية، وكلاهما من أشهر الكذّابين على مستوى العالم.

مع ذلك، وبالرغم من هذا المشهد الأكثر انحطاطا في تاريخ السياسة الدولية، إذا كانت “الصفقة” الحالية تراهن على استنزاف محور المقاومة في انتظار سحقه بالكامل، وشراء الوقت لإسرائيل، فإن الطرف المقابل لا يزال يملك القدرة على الصمود، والقوة على الرد، والزخم الأخلاخي الكوني المتعاظم يومًا بعد يوم.

ومثلما فاجأت غزة العالم في الأيام الأولى، قد تفاجئه جبهات أخرى في لحظة غير محسوبة. فالدم المُراق لا يزال يتدفّق، وهذا الشرق المملوء بالأسرار وملاحم الأنبياء، سيظل روح العالم حين يفقد العالم عقله..
ولذلك، الخرائط جاهزة صحيح. ولكنها لم تُحسم بعد، ولا أعتقد أنها ستُرسم هذه المرّة، لصالح الغرب، كما رُسِمت غداة الحرب العالمية الأولى لأنّ الإنسان تغيّر، وشمس هذا الغرب تغيب..

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك