أحوال عربية

أزمة التعليم في مصر

في وقتٍ يعيش فيه التعليم المصري واحدة من أسوأ مراحله من حيث الجودة والانضباط والعدالة، لا نجد من وزارة التربية والتعليم سوى مقترحات تبتعد عن جوهر الأزمة وتلامس السطح، بل تزيد من الضبابية والارتباك. ففي تصريح مثير للجدل، خرج الوزير محمد عبد اللطيف ليطالب بجعل مادة التربية الدينية مادة رسوب ونجاح بنسبة ٧٠٪، وكأن أزمة التعليم في مصر سببها أن الطلاب لا يحفظون ما يكفي من النصوص الدينية، لا أنهم يعيشون في بيئة تعليمية تفتقد للقدوة، وتسمح بالغش، وتتواطأ مع الظلم، وتكافئ الفهلوة على حساب الاستحقاق.

الوزير، الذي تُثار حول شهادته العليا شبهات جدية، لا يرى بأسًا في أن يحمّل التلميذ عبءًا جديدًا، وهو في الأصل ضحية لنظام تعليمي مرتبك، يخلط بين الحشو والمعلومة، وبين التلقين والتربية، وبين الدين كقيمة والدين كشكل خارجي. والنتيجة أن التربية الدينية – في صورتها الحالية – ليست أكثر من مادة نظرية تُدرّس لتُنسى، دون أثر حقيقي في الضمير أو السلوك. فهل نحتاج إلى مزيد من الامتحانات لنغرس القيم؟ وهل صار الحل لأزمة الغش والكذب والنفاق أن نزيد درجة مادة الدين إلى ٧٠٪؟ أي اختزال هذا للتربية؟ وأي منطق هذا الذي يعالج العطب الأخلاقي بحلول ورقية؟

في المقابل، تكشف الواقعة المؤسفة التي تعرّضت فيها مديرة لجنة امتحان للاعتداء الوحشي من بعض المنقبات – فقط لأنها منعت الغش – حجم التناقض بين الخطاب الديني وبين السلوك، وتضع أمامنا مرآة قاسية لما وصل إليه حال “التدين الشكلي” في مجتمعنا. فقد صار من السهل أن نرفع شعارات دينية ضخمة، ثم ندهسها بسلوك عدواني، يبرر الكذب والتزوير والعنف باسم الدين. وهذا المشهد بالذات، لا يعالجه قرار وزاري، بل يعرّي الخلل العميق في المنظومة كلها، من الأسرة إلى الإعلام إلى المدرسة إلى رجل الدين نفسه.

إن الخطورة لا تكمن في تدريس الدين كمادة، بل في التصور الساذج بأن إدراجها كمادة أساسية بنسبة نجاح مرتفعة سيصلح ما أفسدته سنوات من ازدواجية المعايير، وتناقض الخطاب، وغياب العدل. فالقيم لا تُزرع بالدرجات، بل تُكتسب من القدوة، وتُترسّخ بالبيئة الأخلاقية، ويقوّيها النظام الذي يحاسب المخطئ مهما علا، ويكافئ المجتهد حتى لو كان ضعيف الحيلة. الطالب الذي يُطلب منه أن يحفظ “ولا تبخسوا الناس أشياءهم”، هو نفسه الذي يرى بعينيه تزوير شهادات، وشراء مناصب، ومحسوبية في الجامعات والوظائف، واستثناءات لأبناء المسؤولين وأصحاب النفوذ. فأي أثر يُرجى من آيات تكتب في الكتب ولا تُرى في الواقع؟

لا يمكن أن نبني جيلاً مؤمنًا بالقيم ونحن نغرقه يوميًا في رسائل مضادة: من غش مفضوح لا يُعاقب، إلى مسؤولين يكذبون ولا يُحاسبون، إلى معلمين يعانون من الإهانة والإهمال، إلى إعلام يروّج للسطحية والانتهازية. التربية ليست قرارًا إداريًا، بل مشروع وطني طويل النفس، يبدأ من أعلى الهرم، ويُجسَّد في تصرفات الكبار قبل أن يُدرّس للصغار. إن تحويل الدين إلى عبء إضافي على الطالب، دون أن يتحول إلى منهج حياة في البيت والمدرسة والدولة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفصام، ومزيد من السخرية من القيم نفسها.

الأزمة ليست في المناهج وحدها، بل في المناخ الذي أفسد الدين وهو يرفعه شعارًا، ودهس التعليم وهو يزعم تطويره. إصلاح التعليم لا يبدأ من زيادة نسب النجاح في مادة ما، بل من إعادة تعريف التعليم نفسه: ماذا نريد أن نعلّم؟ ولماذا؟ وكيف؟ وعلى يد من؟ وبأي قدوة نغرس ذلك؟ ما لم تُطرح هذه الأسئلة بصدق، فلن ينجو الجيل القادم لا بالدين ولا بالدرجات.

د. محمد إبراهيم بسيوني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى