الأدب في حاجة إلى أدب!

—-

*

م. فوزي

الجزائر

*

لم يكن يجمع بيننا أثناء اللّقاء سوى تلك الأحلام التي كنا نرويها وتحيي فينا روح الشباب. السفر والتنقّل عبر الزّمن هو الغاية في حدّ ذاته؛ نفلتُ بأرواحنا من براثن الحياة الرّتيبة. نحلّق بعيدا عن الواقع الممل. لطالما عشنا هكذا نحن الثلاثة؛ المتحدّث الأٍرعن، وصديقنا الفنّان العاشق الأهبل، وثالثنا الأصغر؛ ابن الأصول العريقة. نشأنا في كنف الغنج والدلال وتضلّعنا من ثدي العاطفة العمياء والحب الطّاغي حتى ارتوينا ؛ وكان ذاك سببا في النزق الذي كان يميّزنا عن بقيّة الأتراب الأقران.

ونحن في طريق مافتئ يذكرنا بالأحلام الورديّة، كنا في عزّ الشباب، كانت هوايتنا حب المغامرة والأحلام الورديّة. لكنّها كانت مشاعر حقيقيّة تحرّض على حب المغامرة، وتنشد الحريّة. إذ بصديقنا الصغير يتفوّه بكلام غريب عجيب لم أعهده فيه قط، يقول لي معاتبا: لماذا لا ترقى بأسلوبك إلى المستوى المطلوب؟

قلتُ: من؟

قال: إلى مستوى فلان وعلّـان.

وذكر لي بعض الأسماء التي أعرفها جيّدا؟

كم يحزنني أن أسمع من صديقي كلاما كهذا، وهو الذي لا يعزب عنه ما يعتريني من نوائب، ينوء بحملها أعتى الرّجال. ويكأن صديقي هذا لم يعد صديقي، أو كأن المحبّة التي كانت، وستظل وتبقى – بإذن الله تعالى – بيننا، مصطنعة.

ويكأن الطريق الذي نسلكه معا ليس هو الطريق الذي ما فتئ يذكّرنا بأحلامنا الوردية، وهي التي ظلّت توحّد بيننا، والقاسم المشترك. كأن ثالثنا الأصغر هذا صار واحدا من أولئك المراهقين المتسوّلين؛ ويا لكثرتهم في هذا الزمان؛ متسوّلون على جنبات مواقع التواصل، يبحثون عن الشهرة وتسليط الأضواء بكل السبل: الحمد لله أنّنا لسنا منهم.

لن أردّ عليك بكلام يشبه كلامك يا صديقي الصّغير:

هؤلاء هم من بني جلدتنا، نعرفهم جيّدا حق المعرفة:

هل تعرف متى نشؤوا؟

وما علاقتهم بالأدب؟

قامات في العوالم الافتراضية، بيادق في حقيقتهم.

ليس هناك من سبيل يجمعنا بهم، ولا تجمعنا بهم قواسم مشتركة.

لا سبيل غير هذا الذي نسلكه الآن يا صديقي.

وأما أنا فلستُ سوى عاشق للأدب، وربما قد ظلّ الطريق.

يطلب المعالي، ولكن لا ينسب لنفسه الأدب.

فخور بلغته وعروبته ودينه، وبما يخطّه قلمه. ولكنّه لا يتسوّل الإعجاب، ولا يحبّ المداهنة والتملّق؛ مثل أولئك الذين يحرصون على الظهور، و يأكلون من جميع الموائد.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك