الجولة الأولى من حرب إيران – إسرائيل برعاية أمريكية… ماذا بعد؟
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
انتهت جولة من التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، دامت اثني عشر يوماً، دون توقيع أي وثيقة رسمية لوقف إطلاق النار. جاءت هذه الحرب الخاطفة محمولة على صواريخ، وأجنحة طائرات الشبح الأمريكية، ومعرّزة ببيانات دبلوماسية وتصريحات عقائدية، لتكون – كما يصفها البروفيسور ألكسندر أغييف، رئيس معهد الإستراتيجيات الإقتصادية التابع لأكاديمية العلوم الروسية ورئيس أكاديمية الأبحاث المستقبلية ورئيس تحرير مجلات أكاديمية عدة في مقال له بتاريخ 3 يوليو 2025 بعنوان: “إيران، اسرائيل والولايات المتحدة عشية الجولة الثانية” – «إستطلاعاً بالقوة»، أو تمهيداً محتوماً لجولة ثانية، لا مناص منها.
أولاً: العدوان الإسرائيلي وإنكشاف حدود القوة
يرى أغييف أن إسرائيل لم توقف هجماتها ضد إيران نتيجة لمبادرات السلام أو ضغوط دولية، بل لأن “إسرائيل عاجزة عن خوض حرب طويلة تستنزف قواها”، مؤكداً أن “أسبوعين من القتال الكثيف كان الحد الأقصى الممكن للجيش الإسرائيلي” في غياب تدخل مباشر أمريكي مستمر. تكرر هنا مشهد معروف: إسرائيل تبدأ، لكنها لا تستطيع الحسم، فتلجأ إلى “الأخ الأكبر الأمريكي”، تماماً كما حدث مراراً في العقود الأخيرة، وأبرزها عدوان 2006 على لبنان.
ثانياً: المطرقة الأمريكية – ضربات محددة ورسائل إستراتيجية
في 22 يونيو – وبما يشبه التوقيت الرمزي – شنت الولايات المتحدة هجوماً جوياً على مواقع إيرانية حساسة بإستخدام 14 قنبلة خارقة للتحصينات GBU-57 أطلقتها قاذفات B-2 Spirit، بالإضافة إلى أكثر من عشرين صاروخ كروز من غواصة نووية. العملية، التي حملت الاسم الرمزي Midnight Hammer (مطرقة منتصف الليل)، إستخدمت فيها الولايات المتحدة أكثر من 125 طائرة عسكرية، و75 وحدة من الأسلحة عالية الدقة.
يعلّق أغييف بأن هذه الضربة “سمحت لنائب الرئيس جاي دي فانس بالإعلان عن ما سمّاه «عقيدة ترامب» في 24 يونيو”، والتي تقوم على ثلاث مراحل: تحديد المصالح الأمريكية، السعي لحل دبلوماسي، وإذا فشل – إستخدام القوة الساحقة ثم الإنسحاب الفوري.
هذه العقيدة تشبه إلى حد كبير سياسة “الضربة والإنسحاب” التي إنتهجتها واشنطن في عدة مسارح حرب، من ليبيا إلى سوريا، وهي سياسة لا تهدف إلى تغيير النظام فوراً، بل إلى إنهاكه وإجباره على التنازل تدريجياً.
ثالثاً: الأداء الإيراني – رد سريع ثم ضبط أعصاب
رغم الخسائر المؤلمة في صفوف كبار القادة العسكريين الإيرانيين، إستطاعت طهران الرد بعد 12 ساعة فقط من الضربة الإسرائيلية الأولى في 13 يونيو، بل ونجحت في إصابة “أهداف إستراتيجية إسرائيلية، مسببة أضراراً جدية”، كما أورد النص.
لكن الرد الإيراني على الضربة الأمريكية كان أكثر رمزية منه عملياتي: ستة صواريخ إستهدفت قاعدة “العديد” الأمريكية في قطر، دون إصابات تذكر، ويُرجّح أن الأمريكيين قد أُبلغوا بها مسبقاً، في محاولة إيرانية لـ”حفظ ماء الوجه”، لا التصعيد.
رابعاً: إسرائيل والولايات المتحدة – إعادة تقنين للعدوان
نجحت إسرائيل – بحسب أغييف – في إنتزاع إعتراف عملي من واشنطن بأهمية المشاركة المباشرة في أي حرب قادمة ضد إيران. هذا “يُعدّ نجاحاً دبلوماسياً كبيراً”، لأنه أسّس لسابقة يمكن تكرارها: “ضُربت إيران مرة، وسيتم ضربها ثانية وثالثة، إلخ”، كما قال.
إلى جانب ذلك، يدعو نتنياهو لتوسيع “عقيدة بيغن”، التي تمنع أي عدو محتمل من تطوير قدرة نووية، لتشمل “مسح طهران من الوجود”، وهو ما أصبح خطاباً علنياً في وسائل الإعلام العبرية، دون أن يُقابل بإدانة حقيقية من الغرب.
خامساً: طهران عند مفترق إستراتيجي
يرى أغييف أن طهران الآن أمام ثلاث خيارات رئيسية:
- الخيار النووي السري: تسريع إنتاج قنابل نووية – “فأحداً لا يقصف كوريا الشمالية”، كما يشير الكاتب بتهكم واضح.
- الخيار التفاوضي: محاولة نزع فتيل الأزمة عبر تقديم تنازلات تدريجية.
- الخيار الدفاعي التقليدي: الإستثمار في تطوير الدفاعات الجوية والصاروخية والطيران – ويذكر الكاتب نية طهران شراء مقاتلات J-10C الصينية.
- ويضيف: “الرهان الإيراني على الردع غير النووي لم ينجح… الإستراتيجية التي إعتمدت على إبقاء إيران كدولة على حافة النووي إنهارت تحت ضربات المطرقة الأميركية”.
سادساً: الدور الغائب – روسيا والصين
في حين سعت موسكو وبكين لإحتواء التصعيد، إلا أن الكاتب يرى أن لا روسيا ولا الصين “ستكونان أكثر إيرانية من الإيرانيين أنفسهم”. ويذكّر بأن “معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة” التي وقّعها بوتين مع إيران في أبريل 2025 لم تُصادق عليها طهران إلا بعد بدء العدوان الإسرائيلي.
وهذا يوحي بأن طهران قد تكون قدّرت حجم الدعم الفعلي من موسكو وبكين بطريقة مفرطة في التفاؤل، لتجد نفسها وحدها في ميدان المواجهة.
سابعاً: الدور الخطير للوكالة الدولية للطاقة الذرية
لعبت الوكالة – بحسب الكاتب – دوراً أساسياً في إعطاء “الشرعية الشكلية” للعدوان الإسرائيلي، حين أقر مجلس محافظيها في 12 يونيو قراراً ضد إيران، مكّـن تل أبيب من تبرير الضربة.
ثم عادت الوكالة لتطالب بزيارة المواقع المستهدفة، والبحث عن آثار “200–400 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%”، وهي الكمية التي قد تكفي – بعد مزيد من التخصيب – لصنع سلاح نووي. يعلّق أغييف: “اليورانيوم المخصب إلى 20% يصنّف أيضاً كسلاح نووي من حيث التكاليف، فالوصول إلى هذه المرحلة يستهلك 92% من الطاقة المطلوبة لصنع قنبلة”.
ردّ الإيرانيين جاء حاسماً: قانون جديد يعلّق التعاون مع الوكالة، ويمنع المفتشين من دخول المنشآت النووية، ويوقف كاميرات المراقبة.
ثامناً: إلى أين؟ – السيناريوهات القادمة
يختم أغييف دراسته بإثارة سؤال مخيف: هل من الممكن أن تضحي جهة ما بـ”إسرائيل” نفسها من أجل الوصول إلى الهدف النهائي وهو “تدمير إيران”؟!
يطرح الكاتب السيناريو “الأوكراني” لإسرائيل – أي توريطها في حرب إستنزاف كبرى تُستخدم فيها كأداة في صراع أكبر، حتى ولو أدى ذلك إلى إختفائها. وهو إستشراف صادم، لكنه متسق مع رؤية جيوبوليتيكية متشائمة ترى العالم كسلسلة من المقايضات الكبرى بين القوى العظمى.
خاتمة: طهران أمام إستحقاق القرار النهائي
لقد بدأت الجولة الأولى من المواجهة، وستتبعها جولات أخرى، ما لم تُحدث طهران تغييرات إستراتيجية جذرية في عقيدتها الدفاعية. سواء قررت الإنكفاء، أو التحوّل إلى قوة نووية، أو تعزيز قدراتها التقليدية، فإن أحد دروس هذه الحرب هو: الإنتظار لم يعد خياراً.
كما أن أي رهان على تراجع واشنطن أو انقسام الداخل الأمريكي حول “العدوان الإسرائيلي” ليس مضموناً، لأن – كما يذكّر أغييف – مشروع ترامب (MAGA) يتضمن ضمناً مشروعاً موازياً هو (MIGA): اجعل إسرائيل عظيمة من جديد ؟!.



إرسال التعليق