حكاية زربية عمور .. سجاد عمور الجزائري

زربية “جبال عمور”: إبداع حرفي يعكس تراثا غنياً وتعايشا ثقافيا فريدا

في عمق جبال عمور شمال ولاية الأغواط، تتجسد إحدى أبهى صور الإبداع الحرفي الجزائري في “زربية جبال عمور”، تلك الزربية العريقة التي اختزلت في خيوطها الملونة تاريخا طويلا من التعايش الثقافي بين حضارات مختلفة، ورسخت عبر الأجيال إرثا تراثيا لا يزال ينبض بالحياة رغم مرور الزمن وتغير الأحوال.

إرث حضاري متعدد الثقافات
زربية “جبال عمور”، التي سميت نسبة إلى المنطقة الممتدة بين بلديتي سبقاق والبيضاء، تعد رمزا فنيا وثقافيا يشهد على تلاقي ثلاث حضارات: الأمازيغية، العربية، والعثمانية. تجلت هذه التأثيرات في الرسومات والألوان والأشكال المنسوجة، والتي احتفظت بقيم رمزية وتاريخية عميقة، منها حروف “تيفيناغ” التي تميز الحقبة الأمازيغية، ثم تقنيات “الرڨمة” ذات التسمية العربية، وصولا إلى اللمسات العثمانية التي أضافت أسماء جديدة وتقنيات مستحدثة على غرار “الخزناجية” و”الإسطنبولية”.

الزربية بين الأصالة والحداثة
ورغم التغيرات الاجتماعية وانتشار المفروشات الحديثة، حافظت زربية “جبال عمور” على مكانتها كمنتوج تقليدي أصيل. فقد أكسبها تنوع ألوانها وتقنياتها الخمسة (منها الأفقية والعمودية) خصوصية فنية مميزة، خاصة تقنية “الخملة” و”الجر”، كما اختلفت تسمياتها حسب الحجم وطريقة النسج مثل “القطيفة” و”المطرح”. ويعد “الملقوط” أبرز أنواعها المصنوعة أفقيا والمخصصة للخيم الصحراوية.

فن تقليدي بقيمة عالمية
هذا الإبداع المحلي لم يتوقف عند الحدود، بل أصبح سفيرا للتراث الجزائري في الخارج، حيث حازت الزربية على جوائز دولية، من بينها الجائزة الذهبية من إسبانيا سنة 1992، كما أصبحت جزءا من ديكور بعض السفارات الأجنبية. وتحصي مدينة آفلو وحدها أكثر من 3,000 حرفي في هذا المجال، موزعين على 12 مجمعا، في سوق يعود تاريخه إلى سنة 1887، وهو الفريد من نوعه على المستوى الوطني.

المرأة الحرفية في صلب النهضة
شكلت زربية “جبال عمور” متنفسا فنيا للعديد من النساء بالمنطقة، ومصدر تمكين اقتصادي واجتماعي لهن. فبفضل دعم من الوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر، تمكنت النساء من إنشاء ورشات تعليمية وإنتاجية ساهمت في نقل الموروث الثقافي إلى الأجيال الناشئة. وتصف لغلاغ مباركة، رئيسة جمعية “المعرفة والتنوير”، الزربية بأنها وسيلة لتعزيز التلاحم المجتمعي، ولإحياء تقاليد “التويزة” التي تجسد روح التعاون بين أفراد المجتمع.

أفق جديد للتكوين والتسويق
ولتعزيز حضور هذه الحرفة العريقة، تعمل مديرية السياحة والصناعات التقليدية بالأغواط على تطوير برامج تكوينية وتسويقية، وتم اقتراح إدراج التخصص ضمن مناهج التعليم والتكوين المهني، فضلا عن السعي لإنشاء مركز دمغ خاص لضمان تصدير الزربية رسميا نحو الأسواق العالمية.

وبذلك تكون زربية “جبال عمور” ليست مجرد منتوج تقليدي بل هي مرآة لتراث متجذر ومتنوع، وشاهد على تعايش سلمي خلدته الألوان والخيوط والرموز. إنها لوحة حية للتنوع الثقافي الجزائري، وصورة من صور الوحدة الوطنية التي نسجتها أنامل الأمهات والجدات وورثتها بنات اليوم، لتبقى هذه الزربية إرثا نابضا بالحياة، يحتضنه الماضي ويصونه الحاضر ويستشرف به المستقبل…غانم ص

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك