ما اخفته وسائل الإعلام في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران
*ترجمة وإعداد د. زياد الزبيدي بتصرف عن الإنجليزية *
إنوكا تاتون
موقع Medium
منصة نشر الكترونية تشاركية
هل ستسرّع إيران برنامجها النووي؟ لماذا لا تكره روسيا إسرائيل؟ وهل تعمّدت الولايات المتحدة قصف مواقع فارغة؟
مقدمة
يمرّ أسبوعان كلمح البصر بالنسبة لمعظم الناس، شذرات من الذاكرة لا تكاد تُذكر. لكن في الشرق الأوسط، فإنّ الأسابيع الماضية منقوشة في الأذهان؛ أسابيع ستبقى في سجلّ العار. فالهجمات الإفتتاحية التي شنّتها إسرائيل على إيران في 13 يونيو، تمثّل بداية مرحلة جديدة وخطيرة في التاريخ السياسي للمنطقة.
وبينما ركّزت وسائل الإعلام على التحليلات السطحية، ظلّت التيارات العميقة التي حكمت مجريات الأسبوعين الماضيين شبه مجهولة. فخلف المحتوى المُفبرك والمُبالغ فيه، تكمن حقائق أعمق لا تظهر إلا لمن يعرف أين ينظر.
- هل ستسرّع إيران برنامجها النووي؟
مع نهاية الصراع الذي دام 12 يومًا، يتساءل العالم عمّا إذا كانت الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية قد أضعفت فعليًا القدرات النووية الإيرانية، أم أن الهدف كان مجرد ردع رمزي.
لسنوات، تصف وسائل الإعلام الغربية إيران بأنها “على وشك” تصنيع أسلحة نووية. والحقيقة أن إمتلاك السلاح النووي سيمثّل مكسبًا إستراتيجيًا كبيرًا لطهران في أي مواجهة مستقبلية. التهديد بمحو إسرائيل ليس سوى جزء من هذه الفوائد؛ فالسلاح النووي يشكّل رادعًا فعالًا عبر مبدأ التدمير المتبادل المؤكد (MAD)، إذ لم يتم غزو أي دولة نووية منذ امتلاكها هذا السلاح.
وبالرغم من الإدعاءات الأمريكية بأن إيران بلغت مستويات تخصيب خطيرة، تنفي طهران ذلك بإستمرار. ومع ذلك، فإنّ دافع إيران لتطوير سلاح نووي في الوقت الراهن بات قويًا، نظرًا لضعف ميليشياتها وتراجع ترسانتها العسكرية وخسارة تفوّقها في المنطقة.
والأهم من ذلك، أن سماح واشنطن لطهران بالإحتفاظ بمخزونها من اليورانيوم المخصّب يعني أن إيران لا تبدأ من الصفر. المفارقة أن الحرب التي هدفت لمنع حصول إيران على السلاح النووي، قد تكون منحتها الحافز الأكبر للسعي إليه.
- هل تكره روسيا إسرائيل؟
أحد أكثر الأسئلة المتداولة خلال الأسابيع الماضية هو: هل تنضم روسيا لإيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة؟
الإجابة شبه محسومة: إحتمال مشاركة روسيا في مواجهة مباشرة مع إسرائيل ضئيل للغاية، ما لم تنفجر حرب عالمية ثالثة شاملة.
رغم التوترات الروسية الأمريكية، فإن علاقة موسكو بتل أبيب ليست عدائية. إذ أن حوالي 15% من سكان إسرائيل (1.5 مليون) من أصول سوفياتية، وهناك تعاون ثنائي في مجالات التكنولوجيا. وفي حين فرض الغرب عقوبات صارمة على روسيا بسبب حرب أوكرانيا، لم تصدر إسرائيل إدانة جوهرية.
ببساطة، روسيا ليست ضد إسرائيل مثلما هي ضد الغرب؛ فموقفها من إسرائيل ينبع من إصطفافها ضمن المنظومة الغربية، وليس من عداء جوهري.
- لماذا سمحت أمريكا لإيران بالإحتفاظ باليورانيوم المخصب؟
رغم ما بدا أنه ضربات نوعية أمريكية لثلاث منشآت نووية إيرانية، تشير مصادر إلى أن المواقع كانت قد أُفرغت قبل الهجوم. فلماذا لم تستهدف أمريكا اليورانيوم نفسه؟
صور الأقمار الصناعية كشفت أن إيران أخلت منشأة “فوردو” النووية قبل الهجمات بأيام، حيث أظهرت الشاحنات وهي تغادر الموقع بطريقة غير معتادة. وإذا كانت هذه التحركات مرصودة، فمن المستبعد أن الإستخبارات الأمريكية لم تكن على علم بها.
السبب قد يكون أحد أمرين: - رسالة رمزية: ربما أرادت واشنطن توجيه تحذير لا أكثر، لتجنب التصعيد، إذ أن تدمير كامل البرنامج النووي الإيراني مكلف جدًا وقد يشعل حربًا شاملة.
2. تجنّب الخسائر البشرية والتوسّع الإقليمي: قصف الشاحنات داخل إيران كان سيسبب قتلى ويستفز ردًا واسع النطاق، وهو ما فضّل الأمريكيون تجنّبه.
- لماذا بدت إيران عاجزة أمام إسرائيل؟
رغم الحجم السكاني والجغرافي لإيران، بدت عاجزة أمام التفوق الإسرائيلي خلال 12 يومًا من القتال. فلماذا؟
الجواب يكمن في أن الحرب بين الطرفين بدأت قبل وقت طويل من 13 يونيو. فمنذ هجوم 7 أكتوبر، دخلت إسرائيل وإيران في مواجهة غير مباشرة، من خلال ميليشيات “محور المقاومة” مثل حماس وحزب الله والحوثيين، بقيادة الحرس الثوري الإيراني.
ومع تدمير قدرات هذه الميليشيات تدريجيًا، أضعف ذلك قبضة إيران الإقليمية. فحزب الله، مثلًا، لم يكن فقط ذراعًا لبنانيًا، بل الجناح الصاروخي الخارجي لطهران.
كما أن المسافة الجغرافية الفاصلة قلّلت من أي ميزة عددية إيرانية، فيما إمتلكت إسرائيل تفوقًا جويًا ساحقًا.
- هل ستصمد الهدنة بين إسرائيل وإيران؟
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الساعة 7:00 صباحًا بتوقيت طهران يوم 24 يونيو، لكن هل هو سلام حقيقي أم مجرد هدنة مؤقتة؟
تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي وتحفظ وزير خارجيته، إلى جانب تحركات اليورانيوم المخصب، توحي بأن الهدف من الهدنة هو إعادة التموضع وليس السلام.
لقد فقدت إيران عمليًا فروعًا كاملة من قواتها بالوكالة، وتحتاج وقتًا لإعادة تنظيمها. ومع وجود دول غير مستقرة مثل الصومال وإريتريا، وصعود فصائل جديدة في العراق وسوريا، تمتلك طهران فرصًا لتوسيع محورها مجددًا.
أولويات خامنئي في المرحلة القادمة ستكون في تحسين أنظمة الدفاع الجوي، التي أثبتت ضعفها أمام سلاح الجو الإسرائيلي.
- هل ستهمين إسرائيل على الجغرافيا السياسية للمنطقة؟
حققت إسرائيل نصرًا شاملًا على محور المقاومة بعد عامين من المواجهات، من حماس إلى حزب الله وسوريا، وصولًا إلى إيران نفسها.
لكن هذا الإنتصار لا يعني ولادة عصر هيمنة غربية جديدة في المنطقة. إذ أن النظام الأحادي القطبية كان نتيجة إنهيار الإتحاد السوفياتي، وهو سياق لا ينطبق على الشرق الأوسط اليوم.
فروسيا لا تزال حاضرة عسكريًا وتحالفاتها قائمة، رغم إنشغالها في أوكرانيا. كذلك تسعى الصين من خلال “مبادرة الحزام والطريق” وتوسّع تكتل “بريكس” إلى تقويض الهيمنة الغربية.
وأخيرًا، يجب تذكّر أن سقوط صدام حسين عام 2003 لم يُفضِ إلى سيطرة أمريكية دائمة، بل فسح المجال أمام إيران وسوريا للتمدد. وهو ما قد يتكرر مرة أخرى إذا لم تحسن إسرائيل والولايات المتحدة إدارة ما بعد الإنتصار.



إرسال التعليق