سياحة و سفرمجتمع

زفاف بيزوس في البندقية: عندما يتحول الثراء الفاحش إلى سلطة إقطاعية جديدة

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


في قلب مدينة البندقية، حيث تُختزل قرون من التاريخ بين جدران القصور العائمة وقنواتها الزرقاء، إحتشد العالم الأسبوع الماضي لمشاهدة ما يُشبه طقوس العصور الوسطى – لكن بأدوات العصر الرقمي. زفاف جيف بيزوس، أحد أغنى رجال العالم، لم يكن مجرد إحتفال شخصي، بل “بيانًا بتحول جوهري في الرأسمالية”، كما يصفه العالم السياسي غليب كوزنيتسوف والمستشار الإستراتيجي الروسي، مؤسس ورئيس المعهد الإستشاري للبحوث الإجتماعية في مقاله اللاذع الذي نشر في 26 يونيو تحت عنوان: زفاف بيزوس في البندقيّة يذكرنا بالماركسية.

من أخلاق العمل البروتستانتية إلى إستعراضات النواب الجدد

بينما كان الضيوف يتنقلون بين القصور المستأجرة على مدار ثلاثة أيام، وسط ميزانية تُقدَّر بـ50 مليون دولار، لم يكن المشهد يختلف كثيرًا عن حفلات “النواب” الهنود في الحقبة الإستعمارية، أولئك الحكام المحليين الذين إشتهروا بتبذيرهم الأسطوري. يُعلق كوزنيتسوف: “اليوم، دمّر مليارديرات التكنولوجيا تقليد الرأسمالية البروتستانتية… إنهم يتصرفون مثل النواب الهنود: برامج فضائية خاصة، ويخوت بحجم سفن حربية. زفاف بيزوس هو ذروة هذا التحول”.

الرسالة واضحة: لقد إنتهى عصر “الثروة الخجولة” التي كانت تُعتبر علامة على البركة الإلهية، وحلّ محله عصر “الإستعراض كأداة سلطة”.

الإقطاع الرقمي: عندما تصبح البيانات إقطاعيات حديثة

لكن ما الذي يميز ثروة بيزوس وأقرانه عن ثروات روكفلر وفورد؟ يجيب كوزنيتسوف:
“أمازون رفع هوامش التجارة إلى 10 أضعاف المستوى التقليدي، فارضًا إتاوة على الجميع… هذا أقرب إلى السيطرة الإقطاعية على طرق التجارة منه إلى الرأسمالية الصناعية. بيزوس أشبه بتيمورلنك منه بروكفلر”.

الفرق الجوهري هو أن الثروة اليوم لم تعد مُرتبطة ببناء مصانع أو طرق، بل بـ”السيطرة على المنصات والبيانات”، وهي أصول غير ملموسة تسمح بإستخلاص الريع من الإقتصاد كله دون إلتزام تجاه مجتمعات محددة.

الفساد الذي لا يُرى: عندما تكون “التجربة” هي الرشوة

الأكثر إثارة للقلق هو كيف تُحوَّل هذه الثروة إلى نفوذ سياسي. الدعوة التي وجّهها بيزوس لإبنة الرئيس الأمريكي ونخبة من السياسيين والإعلاميين لم تكن بريئة: “هذه رشوة تذهل العقول – ليس بالمال، بل بالتجارب والإنطباعات التي لا تُشترى… كل ضيف يصبح شريكًا في هذا البذخ، مرتبطًا نفسيًا بصاحب الإحتفال”.

هنا يُعيد التاريخ إنتاج نفسه: فكما كان الإقطاعيون يكافئون ولاء النبلاء بحقوق الصيد في أراضيهم، يُكافئ أصحاب الثروات الحديثة حلفاءهم بـ”وصول حصري” إلى عالمٍ من البذخ الذي لا يُقاس بالمال، بل بتجارب الإستعلاء.

إحتجاج البنادقة: كرنفال ضد الإقطاع الجديد

رد فعل سكان البندقية – الذين وجدوا مدينتهم مغلقة أماراجعة لم يكن مفاجئًا. ظهور “تماسيح مطاطية” في القنوات كان أكثر من مجرد سخرية: “هذا ليس مجرد فلكلور، بل مقاومة رمزية للإقطاعية الجديدة… بأسلوب قريب من كرنفال رفض السلطة التقليدي”.

لكن هل تكفي الرموز لمواجهة نظامٍ يتركز فيه الثراء والنفوذ في أيدي قلّة؟

السؤال الماركسي الذي يعود بقوة

يختم كوزنيتسوف تحليله بسؤالٍ يتردد اليوم في أروقة الأكاديميات والشوارع على حد سواء: “الماركسية الكلاسيكية أصبحت وسيلة ذات صلة متزايدة لفهم العمليات السياسية. شكرًا لبيزوس وترامب”.

في النهاية، زفاف البندقية لم يكن سوى عرضٍ لظاهرة أعمق: تحول الرأسمالية إلى نظامٍ يشبه الإقطاع، حيث يُقاس النفوذ ليس بما تُنتجه، بل بما تستولي عليه. والسؤال الأخلاقي الأكبر يبقى: هل يمكن لمجتمعاتنا أن تسمح بتحوّل الثروة إلى قوة تُفرِّغ الديمقراطية من مضمونها؟

2 ….

تعليق بقلم يلينا بانينا، البروفيسورة والسياسية الروسية وعضو البرلمان الإتحادي، على مقالة غليب كوزنيتسوف حول “الإقطاعية الجديدة” في الغرب

العلاقة بين الأوليغارشية التقنية المعاصرة ونموذج البندقية التاريخي

«ينبغي إضافة ملاحظة واحدة فقط إلى المقالة الرائعة لغليب كوزنيتسوف، التي إنطلق فيها من حفلة الزفاف الباذخة التي أقامها “الملياردير التكنولوجي” جيف بيزوس في قلب مدينة البندقية، ليحلل من خلالها تحوّل الرأسمالية الغربية إلى “إقطاعية جديدة” ذات طابع أوليغارشي، حيث لم يعد الثراء قائماً على الأصول المادية التقليدية، بل على أنماط مختلفة تماماً من الثروة.

والحق أن اختيار البندقية كموقع لهذا الحدث لم يكن عشوائياً على الإطلاق. فـ”الجمهورية الأسمى” في ذروة إزدهارها كانت تجسّد نموذجاً صارخاً للعلاقات السياسية والإقتصادية “غير التقليدية”، على النقيض من بقية أوروبا الإنتاجية.

لقد كان النشاط الإنتاجي في البندقية، منذ بداياتها وحتى السنوات الأخيرة من عمر جمهوريتها، ضعيفاً إلى حد التلاشي، بإستثناء إستخراج الملح وصناعة زجاج مورانو الشهير. فالتاجر الفينيسي كان في الغالب مجرد وسيط ومضارب، يحتكر منظومة النقل والتوزيع بفضل أسطوله من السفن الحربية (الغاليات).

وقد إستندت الثروة الفينيسية إلى ثلاثة أعمدة رئيسية، إلى جانب إحتكار التجارة بين أوروبا والشرق: تجارة العبيد، والقرصنة، والتمويل الخاص للحروب والتأمين البحري. وكل ذلك تم ضمن إطار موجه ومركزي، في تمازج كامل بين سلطة الدولة والكونسورتيومات الأوليغارشية.

لذا، فإن قيام أهالي البندقية اليوم بإلقاء تمساح مطاطي في القنوات إحتجاجاً على عربدة “الحديثي النعمة” لا يغيّر شيئاً من الواقع. فكما في الماضي، لا يعير أصحاب السلطة والثروة إهتماماً يُذكر برأي “العامة”. تلك “الترتيبات الفينيسية” التي بدأت منذ القرن السابع عشر تنتقل إلى إنجلترا، ثم إلى ما وراء المحيط، لا تزال تُلهم اليوم “البيزوسيين” في إستعراضهم للثراء بتجاهل متعجرف لرأي “العوام”.»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى