الفرمتة والتحديث

احمد الحاج
لا بد وفي لحظة فارقة من أن تعقد العزم على -الفرمتة والتحديث – وذلك لترتيب قائمة اهتماماتك وصياغة سلم أولوياتك مصحوبة بإعادة قراءة بعض ما كنت قد قرأته ماضيا بموضوعية أكبر وبحيادية أغزر وأضمن لك بأنك ستتفاجأ بوعي نوعي لافت وبرؤية جديدة متميزة لم يتسن لك خمسها خلال التحديثات والقراءات السابقة وبما قد يتقاطع مع النصوص ويتناقض مع كتابها أو يتفق معهما جملة وتفصيلا، يحدث ذلك إما لزيادة رقعة وعيك واتساع دائرة معارفك بمرور الوقت وإما لنكوصهما وتراجعهما بالتدريج ولأسباب عدة لا مجال للخوض فيها هاهنا، وانطلاقا من هذه النقطة بالتحديد فقد أعدت قراءة العديد من الكتب السابقة بعضها لكتاب ومفكرين مشاهير ملء السمع والبصر لأكتشف بأن من بينها ما كان أروع وأعمق وأصدق مما كنت أعتقده خلال القراءات الماضية ، بالمقابل فإن بعضها الآخر لا يساوي ثمن الورق الذي خطت عليه ولا الحبر الذي كتبت به، وبما لا يوازي عشر معشار الدعاية والإبهار الذي روجنا له ردحا من الزمن فخَدَعنا وخُدِعنا به ، ولكونه لايساوي قيمة الساعات التي أضعناها هباء منثورا لقراءتها قبل مناقشتها مع المعارف والأصدقاء على مقاعد الدراسة أو في المقاهي والكافتيريات، والأدهى من ذلك كله هو أن تكتشف متأخرا بأن بعض ما قد نظم وصيغ وكتب كان انطلاقا من الملاهي والحانات حيث الضمير الوطني مخمور وخامل،وحيث العقل الثوري المغلف بالشبقية الجنسية عن كل ما حوله ذاهل، وحيث الخلق النبيل مبتذل بتدويخ جمجمة صاحبه وعاطل،وحيث الفكر النير المتسكع بين أحضان الغواني والزاحف على ركبتيه بين أقدام المومسات خائر وذابل،وعما قريب متوار عن الانظار وزائل ، فعن أية وطنية وثورية وإصلاح وتغيير ينتجه ويتحدث عنه أمثال هؤلاء ؟ وها أنذا أعيد قراءة ما سبق لي قراءته مجددا حتى لايضطر لسان حالي فضلا على مقالي أن يردد عبارة سبق وأن قالها أحد المناضلين اليساريين القدامى أسفا على ما ضاع من عمره بعد أن كبرت سنه ،وضعفت قوته ،وبعد أن فقد بريقه ومكانته وبالحرف”لقد كنا سذجا !” والحق يقال فإن السذاجة ليست وحدها المتهمة بذلك كله فهنالك الاندفاع والطيش والتهور والتعصب أيضا كذلك التخبط والانحطاط والبحث المحموم عن التميز بين الأقران ولو عن طريق ارتكاب الحماقات التي أعيت من يداويها وتلويث السمعة و اقتراف الخطايا والأخطاء تحت شعار”خالف تعرف” ولعل هذا هو عين ما تفعله – مع الفارق بطبيعة الحال – ثلة الكحا..شينستات، والكواده..لبيات، والجوجو..دعاريات زيادة على الذكور المخنثين من نظائر – شهاب الكويتي – أسوة بأشباه النساء على شاكلة – فجر السعيد – من المسترجلات،علاوة على عشاق الترند والشو الإعلامي من بعض سياسيي الصدفة والسياسيات !
لقد بدأت رحلة إعادة قراءة ما سبق قراءته بكتاب”طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للكواكبي ولعل أبرز ما لفت انتباهي هي تلكم العبارة الرائعة التي وردت في الصفحة 47 من الكتاب والتي يقول فيها : ” لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ” هذه العبارة البليغة تلخص لنا حجم الانحطاط الذي من الممكن أن يعيشه أي بلد وشعب ومجتمع بكنف طغيان واستبداد يقوده ثلة “لا علم ولا فهم ” كان يبرى قبل الأموال والمناصب بظفرها القلم ،ويُمَزقُ بأنيابها ومخالبها العِلمُ والعَلَمُ ” ولا غرو أن مانعيشه اليوم من انهيار للمنظومات الأخلاقية والقيمية الا ما رحم ربك بفعل التلاقح الفكري والثقافي غير المتجانس العابر للحدود ، خير مثال على ما قاله الكواكبي فيما مضى !



