الاشتراكية البيروقراطية!!
حسن مدبولى
بمناسبة الحديث المتجدد عن تعديل قوانين الإيجار القديمة للمساكن، وعن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وقرب ذكرى موسم الدفاع الأعمى عن ثورة يوليو، أجد نفسي مضطرًا هذه المرة للحديث عن قصة شخصية تخص والدايّ – عليهما رحمة الله تعالى – رغم أنني عادة لا أحبذ استدعاء سير الأهل على منصات التواصل، ولا أرى فائدة من بث مشاعر الحنين أو الفخر الأسري على العلن. لكن ما سأرويه هنا ليس حنينًا ولا فخرًا، بل شهادة مرتبطة صميمًا بما يُسمى “العدالة الاجتماعية” في عهد حكم الإتحاد الإشتراكى ،،
فقد كان والدي مجرد عامل زراعي بالأجر اليومي، لا يملك أرضًا زراعية، لا إرثًا ولا منحة من قانون الإصلاح الزراعي. و هو ممن يفترض أن ثورة يوليو قامت لإنصافه هو وأمثاله من البسطاء.
لكن الحقيقة أن السيد الوالد عاش حياته كلها فى كبد وعناء، يُدبّر بصعوبة قوت يومنا، ويُدّخر بالكاد ما يواجه به طوارئ الزمن.
ولكن مع ذلك، ومن عبقرية المصريين الفقراء، أن والداى – بالتعاون والتدبير – نجحا في توفير مقدم لقطعة أرض مساحتها نحو 80 مترًا في مدينة بولاق الدكرور، مع تقسيط بقية الثمن. ثم بدأنا في بناء منزل صغير يضم العائلة كلها الوالد والوالدة، نحن الأبناء، جدتي، عمّتي، وابن عمتي. وبعد عناءٍ طويل تحقق الحلم، وسكنا في الطابق الأول.
لكن والدتي – وكانت ذات عقل راجح وبُعد نظر – خططت لاستثمار الطابق الثاني بتأجيره، تحسّبًا لأي طارئ قد يصيب والدي، الذي لا معاش له ولا تأمين ولا حماية من الدولة الاشتراكية التي لم ترَ في العمالة غير المنتظمة شيئًا يستحق الضمان والحياة الكريمة .
وبالفعل، بُني الطابق الثاني، وجاء مستأجر حكومي محترم، واتفق على أجر شهري قدره جنيهان، ومضت الأمور كما نأمل. ثم فجأة، لجأ المستأجر إلى ما كان يُسمى وقتها “لجنة تقدير الإيجارات”، فحضر السادة “الخبراء”، وخفضوا القيمة إلى أقل من جنيه شهريًا!
علم والدي أنه يمكنه الطعن على هذا التقدير، فتوجه لتقديم طلب. وحين جاء موعد المقابلة مع “سيادة الخبير”، اصطحبني الوالد معه – وكنت وقتها في الصف الثاني الابتدائي. كما اعتمد والدي في توقيت ذهابنا لمقابلة السيد الخبير الحكومى على مواعيد القطارات التي تمر بجوار سكك بولاق الدكرور، فوصلنا متأخرين قليلًا. وهناك، استقبلنا البيه الاشتراكي بالتهكم والاحتقار، ووبخ والدي علنًا، كأنه إقطاعي! مع أن مظهر والدي وملابسه وبطاقته العائلية تشير بوضوح إلى كونه عاملًا بسيطًا، لا صاحب عقارات ولا مقاولًا جشعًا.
ثم أمر البيه الاشتراكي والدي باستئجار سيارة أجرة للذهاب إلى المنزل لإعادة المعاينة، ورغم أن والدي هو الذى سيدفع ثمن التاكسي، فإن السيد “الخبير” أمرني أنا – الطفل الصغير – أن أعود للبيت على قدمي لأن التاكسي “لا يسع الجميع”، وكأنني كنت عبئًا على العدالة!
وبعد كل هذا الإذلال، تم رفض الطعن، وأُجبر والدي على تقاضي أقل من جنيه شهريًا كإيجار. ودون أن يكلف أحد نفسه بدراسة الموضوع بشكل أعمق وأشمل وأكثر حيادية ،
وبالطبع كان من الممكن أن تستمر تلك القيمة الايجارية إلى أبد الآبدين بسبب القوانين القهرية التى تطبق العدالة الاجتماعية بطرق لاتراعى ابسط قواعد وأسس العدالة والنزاهة !؟
ومن الجدير بالذكر أننا أثناء بناء الشقة المستأجرة، وكما هو معتاد في مناطقنا الشعبية، وُضعناالرمال والأسمنت أمام المنزل مؤقتا . لكننا فوجئنا باستدعاء من قسم الشرطة وهناك، هُددونا بإيداعنا في الحبس بسبب “تراكم مواد البناء” في الشارع! وأُجبرونا على دفع غرامة كانت حينها تعادل أجرة سنة كاملة للشقة،
كما أتذكر أيضا أن مندوبى الضرائب العقارية ( العوايد) كانوا يضعون تقديرات جزافية ينبغى سدادها سنويا من البرجوازى والدى العامل البسيط مالك العقار حرصا على تذويب الفوارق بين الطبقات !؟



إرسال التعليق