-هآرتس- حين يكون اليسار الإعلامي نقديا ويساريا قولا وفعلا!
علاء اللامي
ظاهرة صحيفة “هآرتس” اليسارية المشتبكة مع الكيان الصهيوني منذ تأسيسها بشجاعة ونقدية لم تصل إليه صحيفة عربية بعد: بمناسبة نشر هآرتس دراسة دولية متخصصة تقول إن جيش الاحتلال قتل أكثر من مائة ألف فلسطيني وأرقام الفلسطينيين غير دقيقة وأقل بـ 40 بالمئة عن الحقيقة!
في اعتقادي أن الشخص المناهض والرافض الحقيقي للصهيونية هو من رفض وقاوم هذه الفكرة والدولة الفاشية التي قامت على أساسها، ثم قاطعها وهجرها كشكل من أشكال الرفض والمقاطعة، ومن هؤلاء الشجعان إيلان بابيه وجلعاد اتزمون واليهود العراقيون آفي شلايم وحسقيل قوجمان وسمير نقاش وآخرون. ولكن ذلك لا يعني عدم إنصاف أشخاص وجهات يهودية متمايزة عن الصهيونية وفاضحة لها علميا ومن هؤلاء شلومو ساند مع انه لم يهجر الكيان وصحيفة هآرتس المتميزة في مناهضتها للكيان وقيادته منذ تأسيسها قبل تأسيس الكيان. والإنصاف شيء والصداقة شيء، وأمثال هؤلاء إسرائيليون الذين بقوا في الكيان وفضحوه وناهضوه منصفون وليسوا أصدقاء وحلفاء كمن سبق ذكرهم ممن هجروا الكيان، فماذا نعرف عن هآرتس:
*كلمة (هآرتس) أو باللفظ العبري “هأرص” وأرص تعني أرض والهاء أداة التعريف فتكون هآرص الأرض. واللفظة جزيرية قديمة وموجودة في العديد من اللغات الجزيرية القديمة وفي أم هذه اللغات وأقدمها الأكدية.
*أسست هآرتس بمدنية القدس سنة 1919 أي قبل تأسيس الكيان. في 1925 انتقلت هيئة التحرير ودار النشر إلى تل أبيب. في 1939 اشتراها رجل أعمال يهودي ألماني الأصل هو زالمان شوكن، وعيَّن ابنه غرشوم شوكن رئيس تحرير لها وظل الابن بهذا المنصب لمدة 51 عاما حتى 1990. في 1990 تم تعيين حانوخ مرمري رئيسا للتحرير، أما ابنه عاموس شوكن فورث الملكية على دار النشر وصار صاحب الصحيفة.
- تنتمي هآرتس رغم أنها صحيفة عائلة من حيث الجوهر إلى الخط السياسي اليساري ومن توجهات الصحيفة الرئيسة الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن أهم صحفييها المساندين لحقوق الشعب الفلسطيني والأكثر صدامية مع سياسات الكيان جدعون ليفي.
- في 24 نوفمبر 2024، أمرت الحكومة الإسرائيلية بمقاطعة صحيفة هآرتس من قبل المسؤولين الحكوميين وأي شخص يعمل في هيئة ممولة من الحكومة، وحظرت الإعلان الحكومي مع الصحيفة. ووفقاً لصحيفة الغارديان، فإن صحيفة هآرتس “نشرت سلسلة من التحقيقات حول المخالفات أو الانتهاكات التي ارتكبها كبار المسؤولين والجيش الإسرائيلي، وكانت لفترة طويلة في مرمى نيران الحكومة الحالية”.
*في 30 أكتوبر 2024 وفي مداخلة ألقاها في مؤتمر سياسي بلندن قال مالك الصحيفة عاموس شوكن إنَّ إسرائيل تطبق الفصل العنصري “أبرتـ هايد” في الأراضي الفلسطينية المحتلة ضد الفلسطينيين، ومن تعتبرهم “إرهابيين” هم في الحقيقة مناضلون من أجل، مما أثار ردود فعل غاضبة وعقوبات إسرائيلية على الصحيفة.
*آخر أخبار هآرتس أنها أثارت غضب مجرم الحرب نتنياهو ووزير دفاعه الأبله كاتس لأنها نشرت تصريحات لعدد من جنود جيش الاحتلال اعترفوا فيها بأنهم أطلقوا النار وقتلوا الفلسطينيين الباحثين عن المساعدات والطعام وكان بينهم أطفال بناء على تعليمات من قادتهم قرب مراكز تقديم المساعدات التابعة لما تُعرَف باسم “منظمة غزة الإنسانية”. وقال نتنياهو ووزيره في بيان مشترك، إنهما يرفضان ما وصفاه بـ”الكذبة” التي نشرتها صحيفة هآرتس حول إطلاق جنود الجيش الإسرائيلي النار على سكان في مراكز المساعدات بقطاع غزة. وقالا إن هدفها تشويه سمعة الجيش الإسرائيلي، الذي اعتبره من “أكثر الجيوش أخلاقية في العالم”!
*نأتي الآن إلى أضخم مأثرة لهذه الصحيفة الشجاعة والأشخاص المنصفين الإنسانيين الذين يصدرونها ويديرونها ويكتبون فيها. فقد سلطت هآرتس قبل أيام الضوء على تقرير نشره فريق بحثي دولي يقوده البروفيسور مايكل سباغات الخبير العالمي في الوفيات خلال النزاعات العنيفة وهو أيضا خبير اقتصادي في كلية هولواي بجامعة لندن، ومعه فريق من الباحثين هذا الأسبوع، واعتبرت الدراسة هي الأكثر شمولا حتى الآن بشأن موضوع الوفيات بغزة. الخلاصة التي انتهت إليها الدراسة ونشرتها الصحيفة هي أن عدد قتلى حرب الإبادة الجماعية منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أكثر من الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة الفلسطينية بأربعين بالمئة بمعنى أن عدد القتلى تجاوز المائة ألف شهيد. وفي الوقت الذي يرفض فيه متحدثون رسميون وصحفيون ومؤثرون بالكيان بيانات وزارة الصحة الفلسطينية مدعين أنها مبالغ فيها، يؤكد خبراء دوليون أن قائمة تلك الوزارة بكل ما تجسده من فظائع، ليست موثوقة فحسب بل قد تكون متحفظة جدا مقارنة بالواقع. - أجرى الخبير سباغات مسحا لـ 2000 أسرة في غزة، تضم نحو 10 آلاف شخص، وخلصوا إلى أنه حتى يناير/ كانون الثاني 2025، استشهد نحو 75 ألفا و200 شخص في غزة نتيجة أعمال عنف خلال الحرب، غالبيتهم العظمى بسبب الذخائر الإسرائيلية.
واستدركت هآرتس: “في ذلك الوقت، قدرت وزارة الصحة في قطاع غزة عدد الشهداء منذ بداية الحرب بـ 45 ألفا و660 قتيلا، وبعبارة أخرى، قللت بيانات وزارة الصحة من العدد الحقيقي للشهداء بنحو 40%”.
وذكرت الصحيفة العبرية أن دراسة سباغات وزملائه تحاول الإجابة عن سؤال الوفيات الزائدة في القطاع، وبمعنى آخر، عن عدد الأشخاص الذين استشهدوا نتيجة الآثار غير المباشرة للحرب: الجوع والبرد والأمراض التي استحال علاجها بسبب تدمير النظام الصحي، وعوامل أخرى.
وقد أدى الجمع بين ضحايا العنف والوفيات الناجمة عن الأمراض والجوع إلى وفاة 83 ألفا و740 شخصا قبل يناير/ كانون الثاني (2025)، مع الأخذ في الحسبان المسح والوفيات الزائدة”. وأضافت هآرتس “منذ ذلك الحين، ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل أكثر من 10 آلاف شخص، وهذا لا يشمل من هم في فئة الوفيات الزائدة، والخلاصة هي أنه حتى لو لم تتجاوز الحرب بعد خط 100 ألف قتيل، فهي قريبة جدا من ذلك”.
*وأخيرا، وأنت تقرأ كل هذه المعلومات عن هذه الصحيفة اليهودية الشجاعة هآتس والناس المنصفين والشجعان الذين يديرونها تستخسر أن تبصق على بعض الصحف والقنوات الفضائية العراقية والعربية لشدة سفالتها وانحيازها إلى منطق الصهاينة قتلة أطفالنا، وهو الأمر نفسه مع اليساريين والليبراليين المزيفين الذين وقفوا مع الكيان ضد شعوب المنطقة فهؤلاء حين تقارنهم بيسارية وليبرالية هآرتس لا يستحقون حتى أن تبصق عليهم!



إرسال التعليق