روسيا لن تترك إيران وحدها

بيتر أكوبوف
كاتب صحفي روسي
مراسل وكالة “ريا نوفوستي”

*إعداد وتعريب د. زياد الزبيدي بتصرف *

واجهت إيران “عدوانًا غير مبرر تمامًا لا أساس له ولا مبرر”، كما قال فلاديمير بوتين يوم الإثنين خلال إجتماعه مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

الهجوم على إيران، أولاً من قبل إسرائيل ثم من قبل الولايات المتحدة، لم يفتح فقط صندوق باندورا عندما تقوم الدول النووية بقصف دولة غير نووية، متهمة إياها كذبًا بالسعي لإمتلاك قنبلة ذرية. بل أصبح أيضًا تحديًا للنظام العالمي الجديد الذي يتشكل.

لم يتوقع أحد أن يرضخ الغرب ببساطة لمسار التاريخ، ويتخلى عن محاولات عكس إتجاهه، ويقبل بإنتهاء عصر هيمنته العالمية. لكن مع ذلك، فإن هذه اللعبة الصريحة بالنار تذهل بجنونها.

لقد تم تشويه صورة إيران بشكل منهجي ومتعمد. على مدى عقود، صورها الغرب وإسرائيل كشر مطلق، دولة إرهابية تحت حكم متعصبين دينيين، تهدد وجود إسرائيل نفسه وحتى أمن الغرب، وتسعى أيضًا للحصول على أسلحة نووية.

كل هذا في حين أن إسرائيل هي من غزت الدول المجاورة، وأرهبت الفلسطينيين، وإسمتلكت أسلحة نووية، بينما هاجم الغرب العراق وليبيا، وقصف اليمن، وأدخل قواته إلى سوريا.

كان تشويه صورة إيران غير مسبوق، لكن في السنوات الأخيرة، تم تصوير روسيا بنفس الطريقة كـ”تهديد للسلام”. في هذا السياق، حدث تقارب كبير بين بلدينا – ليس كـ”منبوذين” كما يصورهما الغرب، ولكن كقوى تواجه عدوًا مشتركًا، وتسعى لإنهاء عصر الهيمنة الغربية ولديها رؤى متقاربة للنظام العالمي الجديد الذي تحتاجه.

لذلك، بعد الهجوم على إيران، كان الجميع في العالم ينتظرون رد فعل روسيا. تراوحت التوقعات بين الدعم العسكري لطهران والإنسحاب الكامل من الموقف.

في الواقع، لم تكن موسكو تنوي فعل أي من الأمرين. المساعدة العسكرية المباشرة مستحيلة بسبب إستمرار العملية في أوكرانيا، بينما المراقبة السلبية للأحداث لن تتعارض فقط مع مصالح روسيا، بل ستكون أيضًا ضربة قوية لسمعتنا في العالم.

من الواضح أنه لم يكن هناك أي حديث عن دعم روسيا للعدوان الإسرائيلي والأمريكي.
إيران، العضو في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، ليست مجرد جار لنا، ولكنها أيضًا حليف فعلي (وإن لم يكن عسكريًا بالمعنى الحرفي) لبلدنا.

ومع ذلك، فإن موسكو لا تريد الدخول في صراع مباشر مع الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب أوكرانيا. فالنضال من أجل ترامب – أي من أجل تغيير المسار الإستراتيجي لأمريكا – لم ينته بعد.

نعم، ترامب إنحنى أمام الضغوط الموالية لإسرائيل وشارك في الهجمات على إيران، لكنه لم يتخل بعد عن نيته في التخلي عن الإعتماد على قدرة أمريكا في الحفاظ على هيمنتها إلى الأبد.

ترامب ليس إنعزاليًا تقليديًا، لكن تصوره لدور الولايات المتحدة في العالم، وكذلك التضامن الأطلسي (أي السيطرة على أوروبا)، يختلف كثيرًا عن النهج العالمي التقليدي.

لذلك، بعد الهجوم على إيران، راهنت روسيا على إنهاء سريع للنزاع، بناءً على أن ترامب سيدرك عدم جدوى حرب طويلة (التي لا يريدها) والآمال في إنهيار السلطة الإيرانية.

روسيا ليست وحدها في هذا النهج. فالدول العربية، وجيران إيران في الخليج، والصين، ومعظم اللاعبين الكبار، يأملون في أن توقف الولايات المتحدة ليس فقط نفسها، بل وإسرائيل أيضًا.

لا أحد يحتاج إلى حريق كبير في المنطقة. فقط إسرائيل تتظاهر بأنها لا تخشى شيئًا، بينما في الواقع يتدهور وضعها الإستراتيجي مع كل “إنتصار” لها.

إن إبادة غزة ألغت تمامًا “صكوك الغفران” المزعومة للمحرقة، بينما سيجبر الهجوم على إيران طهران على صنع أسلحة نووية، كما أنه فتح سباقًا للحصول على القنبلة النووية.

وإذا كانت إسرائيل الآن هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك أسلحة نووية، ففي المدى المتوسط، ستمتلك عدة دول مجاورة أخرى القنبلة.

روسيا غير مهتمة بسباق التسلح النووي في الشرق الأوسط، لكن إسرائيل والولايات المتحدة فعلتا كل شيء لبدئه. المنطقة تدخل عصرًا جديدًا، حيث لن تضعف دور روسيا، بل على العكس، سيتعزز (مثل تأثير الصين). لأن جميع دول المنطقة ترى كيف أن الولايات المتحدة، التي تدعي أنها ضامن الأمن، لا تتجاهل مصالحها فحسب، بل تزيد النار إشتعالًا بلا تفكير.

روسيا في أي حال لن تبتعد عن إيران ولن تخونها. لأننا “على الجانب الصحيح من التاريخ والقانون الدولي”، كما قال عراقجي لبوتين. علاوة على ذلك، نحن هناك مع إيران – وهذا ليس فقط خيارنا المشترك، بل أيضًا منطق المسار التاريخي لكل من روسيا وإيران.

قال بوتين إنه يبذل جهودًا لتقديم المساعدة للشعب الإيراني. وإذا كانت هذه الجهود تتركز الآن في الغالب على الجبهة الدبلوماسية (حيث يجري بوتين مفاوضات مع جميع الأطراف)، ففي حالة تصاعد الصراع وإستمرار عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل، ستجد روسيا طرقًا أخرى لمساعدة إيران في صد العدوان (من الجدير بالذكر أن رئيس إستخباراتنا العسكرية شارك في اجتماع بوتين مع الوزير الإيراني في الكرملين).

وليس روسيا فقط من تبذل الجهود. فعلى الرغم من أن لا أحد في العالم يريد الدخول في صراع عسكري مباشر مع الولايات المتحدة، فإن معظم القوى العالمية الكبرى من خارج الدول الغربية غير مهتمة تمامًا بهزيمة إيران. وهي بالتأكيد لن تكون وحيدة في الدفاع عن سيادتها.

إرسال التعليق