تطبيع ثلاثي الأبعاد ينتظر دول الشرق الأوسط
آدم الحسن
في ظل الظروف المضطربة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط بعد حرب الاثنتي عشر يوم بين المحور الأمريكي الإسرائيلي و إيران اصبحت صورة المشهد العام لهذه المنطقة ليس معقدا فقط بل صار أمام مفترق لخيارات متعددة و مختلفة النتائج التي ستحدد الوضع الذي ستكون عليه دول هذه المنطقة و امتداد تأثيرها الى ما حولها من دول في الفترة الزمنية القصيرة القادمة أو متوسطة المدى .
الخيار الأكثر واقعية و الأكثر قبولا من قبل غالبية دول منطقة الشرق الأوسط و الأكثر تأييدا له من قبل المجتمع الدولي هو التطبيع في العلاقات بين دول هذه المنطقة و إسرائيل و تطبيع العلاقات في ما بين هذه الدول نفسها و تطبيع في العلاقات الدولية حول قضايا هذه المنطقة , إذ سيكون هذا التطبيع ثلاثي الأبعاد :
البعد الأول : التطبيع بين الدول العربية و إسرائيل .
كانت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر و إسرائيل هي الخطوة الأولى لهذا التطبيع التي مكنت مصر من استعادة سيناء التي فقدتها في حرب الأيام الستة سنة 1967 , و كذلك استرجاع مدينة طابا المصرية بعد أن كانت تحت السيطرة الإسرائيلية منذ سنة 1948, و بذلك تم استكمال تثبيت حدود مصر و الاعتراف المتبادل بها من قبل الدولتين , مصر و إسرائيل , وفق الخرائط و المرتسمات لسنة 1923 التي أقرتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى , بريطانيا و فرنسا , تلك المرتسمات التي رسمت حدود معظم دول منطقة الشرق الأوسط و التي ارتبط اسمها ب سايكس البريطاني و بيكو الفرنسي .
ثم استمرت مسيرة التطبيع فوصلت الى وادي عربة حيث تم التوقيع على اتفاقية بين إسرائيل و الأردن التي سميت باسم هذا الوادي , فقد تم تثبيت الحدود الآمنة للأردن بموجب هذه الاتفاقية دون اعتراف الأردن بالاحتلال الإسرائيلي للمناطق التي احتلتها إسرائيل في حرب الايام الستة أي خلال هزيمة حزيران 1967 , و رفع العلم الإسرائيلي فوق السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأردنية عمان ليكون ثاني علم في ثاني سفارة تفتح في العواصم العربية ,
كادت مسيرة التطبيع أن تشمل سوريا في عهد الرئيس السوري حافظ الأسد لولا تعنت قيادة حزب البعث السوري و قائده الأسد الذي أصر على أن تشمل الأراضي التي يجب أن تنسحب منها إسرائيل كامل هضبة الجولان لغاية بحيرة طبرية , في حين أن إسرائيل قد وافقت على الانسحاب لغاية حدود سوريا المثبتة في مرتسمات 1923 , بهذا التعنت الغير مبرر اضاعت القيادة السورية فرصة تاريخية تمكن سوريا من استعادة هضبة الجولان المحتل من تحت الاحتلال الإسرائيلي , من المؤسف أن هذه الفرصة قد لا تتكرر مستقبلا .
تعزز استعداد الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل وفق المبادرة السعودية التي اصبحت فيما بعد مبادرة للدول العربية تتضمن اعتراف الدول العربية كافة بإسرائيل بحدودها في الرابع من حزيران 1967 مقابل انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي العربية التي احتلتها في هزيمة حزيران 1967 مع اقامة الدولة الفلسطينية ضمن مشروع حل الدولتين , إلا أن منطقة الشرق الأوسط دخلت في اوضاع و مسارات معقدة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق و بعد ثورات الربيع العربي التي أوصلت الدول العربية الى حالة جديدة من الضعف جعلها تركب قطار التطبيع دون مراعات للمبادرة السعودية التي اقرتها الجامعة العربية حيث انضمت البحرين و الأمارات العربية الى مسيرة التطبيع تحت اسم الاتفاق الإبراهيمي دون إقرار حل الدولتين و دون انسحاب إسرائيل من المتبقي من الأراضي العربية التي احتلتها في هزيمة حزيران .
بعد تساقط اركان محور المقاومة المسنود إيرانيا و سقوط نظام بشار الأسد اصبح الطريق أمام التطبيع الشامل بين إسرائيل و المتبقي من الدول العربية مفتوحا و قد تشمل المرحلة القادمة من التطبيع جميع الدول العربية و خصوصا سوريا و لبنان مع بقاء العراق و تونس والجزائر خارج دائرة التطبيع لكن دون أن تعمل أو تقف هذه الدول الثلاثة ضد مسار التطبيع الشامل مع إسرائيل .
البعد الثاني : التطبيع الشامل بين إيران و الدول العربية .
كنتيجة طبيعية لانكسار محور المقاومة الذي دعمته و مولته إيران , هذا الانكسار الذي ادى الى تصاعد قوة و نفوذ المحور الإسرائيلي الأمريكي في الشرق الأوسط , ستجد إيران نفسها أمام ضرورة ملحة لإحداث تغيير جوهري في طبيعة علاقاتها مع الدول العربية , إذ من المرجح تخلي إيران تدريجيا عن نهجها في الدعم الغير مجدي للقوى المقاومة للتطبيع مع إسرائيل و هذا يتطلب عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية .
من سيقود هذا التغيير الجوهري في طبيعة علاقات أيران مع الدول العربية هو الجناح الإسلامي المعتدل ” الجناح الإصلاحي ” الذي هو الان جزء من الكتلة السياسية التي تحكم إيران حاليا , سيخطو هذا الجناح خطوات مهمة نحو تطبيع فعال بين إيران و الدول العربية و خصوصا مع دول الخليج العربية التي تقودها السعودية , إذ من المؤكد أن مسار التطبيع بين إيران و الدول العربية سيكون امتدادا للمبادرة التي ادارتها الصين في بكين لتطبيع العلاقة بين السعودية و إيران .
البعد الثالث للتطبيع : التوافق الدولي حول طبيعة الشرق الأوسط الجديد .
سيكون هذا التوافق بشكل اساسي بين المحور الأمريكي الأوربي و المحور الصيني الروسي حول مستقبل دول منطقة الشرق الأوسط .
حول هذا البعد من التطبيع لابد من الإشارة الى أن للصين و روسيا علاقات و منافع مشتركة مع إسرائيل , و إن هاتين الدولتين أقرب في تعاملهما مع قضية التطبيع الشامل في الشرق الاوسط مع نهج دول الخليج العربية و على رأسها السعودية .
إن ما تحتاجه دول الخليج العربية في المرحلة القادمة لغرض تثبيت أركان التطبيع ثلاثي الأبعاد هو المزيد من الاطمئنان من أي خطر يتسبب به نهج تصدير الثورة الإسلامية الذي أطلقه الخميني قائد الثورة الإيرانية , و هذا لن يتحقق دون تخلي إيران عن نهج تصدير الثورة , و هنا سيبرز اهمية الدور الصيني في صياغة المعادلات الجديدة التي ستتحكم بالعلاقات بين دول منطقة الشرق الأوسط .



إرسال التعليق