لماذا البشر مبرمجون على النسيان وكيف تساعدهم التكنولوجيا على التذكر؟
رفيق وجيه نصيف
نعمة النسيان
في وقت من الأوقات، أكيد كل واحد فينا نسي ميعاد مهم أو نسى اسم شخص قابله من فترة. ورغم إن النسيان ساعات بيزعجنا، إلا إنه في الحقيقة نعمة كبيرة. تخيل لو كنت فاكر كل لحظة ألم أو حزن مرت عليك! كانت حياتنا هتبقى مليانة وجع مش بيخلص. النسيان مش ضعف، ده جزء أساسي من طبيعتنا كبشر، مبرمج جوانا عشان نقدر نعيش ونكمل
كيف يعمل؟
جسم الإنسان معجزة، خصوصًا الدماغ. العلماء بيقولوا إن جوه دماغنا في جزء اسمه “الحُصين”، شغله الأساسي تنظيم الذكريات. بس الدماغ مش بيتعامل مع كل حاجة بنقابلها كأنها كنز لازم يتحفظ. بالعكس، هو بيختار إيه المهم ويخزن، وإيه اللي ملوش لازمة ويتخلص منه. زي بالظبط لما تيجي تمسح صور قديمة من موبايلك عشان توفر مساحة.
النسيان كمان وسيلة لحماية العقل من الانهيار وسط كم المعلومات اللي بنشوفها كل يوم. لو دماغنا خزن كل تفصيلة صغيرة، كنا هنضيع وسط الزحمة ومش هنعرف نركز على المهم. يعني لما تنسى مثلا مكان ركن عربيتك مرة، ده مش دليل إنك “بتكبر” أو “بتنسى”، ده دليل إن دماغك بيوفر طاقة لمهام أهم.
كيف تدخلت التكنولوجيا لمساعدتنا؟
مع تطور التكنولوجيا، الإنسان لقى وسيلة يسند بيها ذاكرته. مفيش مصري تقريبًا دلوقتي مش بيعتمد على موبايله في تذكير نفسه بحاجات زي:
- مواعيد الدكاترة عبر تطبيقات التقويم.
- كتابة لستة مشتريات على الملاحظات.
- رسائل تذكير بالمناسبات العائلية على واتساب.
- المنبه اللي بيصحينا للشغل أو الصلاة.
وكمان في تطبيقات ذكية بتربط كل حياتنا مع بعض، زي Google Calendar اللي بيبعتلك إشعارات عن مواعيدك، أو حتى الذكاء الاصطناعي اللي بيقترح عليك مهام تانية مرتبطة بعاداتك اليومية.
بمعنى آخر، بقينا عاملين نسخة احتياطية من دماغنا… بس في جيبنا!
بين الراحة والاعتماد الكامل
الموضوع ليه وشين. من ناحية، التكنولوجيا خففت عننا عبء تذكر تفاصيل كتيرة. يعني مش لازم تقعد تفكر مين عنده عيد ميلاد الأسبوع الجاي، الفيسبوك هيقولك! ولا محتاج تحفظ كل مواعيد الشغل والاجتماعات، التطبيق هيبعتلك رنّة تذكير.
لكن في المقابل، مع الاعتماد الزايد على الأجهزة، بدأت الذاكرة الطبيعية تضعف شوية. ناس كتير بقت مش بتحفظ أرقام موبايل أهلها، ولو ضاع الموبايل أو اتحذف الأبلكيشن، تلاقيهم مش قادرين يوصلوا لأبسط المعلومات.
في مصر، بنلاحظ ده لما تلاقي شخص ينسى الطريق اللي كان بيروحه زمان بسهولة، أو يبقى مش قادر يفتكر حوار دار من أسبوعين بدون ما يرجع للمحادثة في الواتساب.
بين ذكاء اصطناعي وذاكرة إنسانية
السؤال اللي بيطرح نفسه: مع تطور التكنولوجيا أكتر وأكتر، هل هنحتاج نستخدم ذاكرتنا أصلاً؟
فيه توقعات إن الذكاء الاصطناعي هيبقى مرافق لينا في كل خطوة: يقترح، يذكّر، حتى ممكن يفكر بدالنا! وده له جانب إيجابي من ناحية توفير وقتنا وتركيزنا على الإبداع، بس كمان خطر لو اعتمدنا عليه لدرجة إن ذاكرتنا الذاتية تضعف أكتر وأكتر.
التكنولوجيا أداة رائعة، بس لو سبناها تدير كل حاجة في حياتنا من غير توازن، ممكن نخسر جزء مهم من طبيعتنا البشرية: ذاكرتنا.
في النهاية، النسيان مش عيب، والتكنولوجيا مش عدو. هما وسيلتين بيكملوا بعض. المهم إننا نستخدم التكنولوجيا كوسيلة مساعدة، مش بديل كامل لعقولنا.
وإنت ماسك موبايلك وبترتب مواعيدك أو بتسجل ملاحظة، حاول تدي عقلك فرصة إنه يشتغل برضه. حاول تحفظ أرقام قريبة ليك، أو تعتمد على نفسك في تذكر معاد مهم بدون منبه.
السؤال اللي لازم كل واحد فينا يسأله لنفسه:
لو فقدت تليفونك النهارده… تفتكر ذاكرتك لسه عايشة ؟



إرسال التعليق