كيف يفكر ايلون ماسك؟

إيلون ماسك: عبقري أم مهووس؟

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

في عالمٍ تزداد فيه الحدود بين العبقرية والجنون غموضًا، يبرز إيلون ماسك كظاهرة يصعب تصنيفها. هو ليس مجرد رجل أعمال ناجح أو مخترع لامع، بل حالة فكرية تستفز كل من يحاول فهمها أو حتى الاقتراب منها. في سيرته التي كتبها والتر آيزاكسون عام 2023، نجد أنفسنا أمام شخصية تعيش في حالة طوارئ دائمة، وكأنها مكلفة بمهمة إنقاذ العالم من تهديد وجودي يتغير شكله مع كل مرحلة من حياته.
ماسك، كما يصوره آيزاكسون، يعيش هاجسًا دائمًا بأن هناك خطرًا محدقًا بالبشرية، وأنه وحده القادر على مواجهته. هذا الهوس لم يكن ثابتًا، بل تغيّر مع الوقت؛ فمن شاب ليبرالي يؤمن بقيم الحرية والانفتاح، إلى رجل يميني يتبنى خطاب “الإحلال السكاني” و”خطر الذكاء الاصطناعي” و”تهديد woke”.
الغريب أن ماسك، الذي حذر من الذكاء الاصطناعي واعتبره كارثة محتملة للبشرية، أصبح لاحقًا من أكبر المستثمرين فيه! أهو تناقض أم براغماتية عبقرية أم مجرد فوضى فكرية؟
تحوّل ماسك من الليبرالية إلى اليمين لم يكن مجرد تغيير في القناعات، بل كان أشبه برد فعل عنيف على أحداث شخصية، مثل قرار أحد أبنائه بالتحول الجنسي. هنا، لم يعد الأمر مجرد اختلاف فكري، بل أصبح ثأرًا شخصيًا ضد كل ما تمثله الأجندة الليبرالية التقدمية من قضايا العِرق والهجرة والمثليين والمتحولين والبيئة.
في لحظة صدام مع الواقع، وجد ماسك نفسه في مواجهة مع الديمقراطيين والليبراليين، وهم في أوج سيطرتهم على مؤسسات الدولة والإعلام. لم يتردد في إعلان دعمه لترامب، بل صرّح صراحة: “عدم فوز ترامب يعني نهايتي”.
لكن، هل كان ماسك حقًا بحاجة إلى ترامب، أم أن ترامب كان بحاجة إلى ماسك؟
من المثير للسخرية أن علاقة ماسك بترامب كانت محكومة بالفشل منذ البداية. كلاهما ملياردير، لكن من جيلين مختلفين؛ ترامب هو نموذج الرأسمالي الجشع، الفظ، الذي لا يرى في العالم سوى فرص للربح والسيطرة، بينما ماسك هو ابن عصر المعلوماتية، يحمل همومًا اجتماعية ورؤى مستقبلية، لكنه ضائع بين النموذجين.
أحيانًا يتقمص دور ترامب في عدائه للإعلام والمؤسسات، وأحيانًا أخرى يقترب من نموذج بيل غيتس، رجل التقنية الذي يحلم بعالم أفضل. هذه الازدواجية جعلت منه شخصية متقلبة، لا يمكن التنبؤ بتحركاتها أو مواقفها.
يدفع ماسك ثمن هذيانه المدعوم بثروة هائلة. هو في صراع دائم مع نفسه ومع العالم، يبدد طاقته في معارك قد لا تعني شيئًا في النهاية سوى إشباع هوسه بالتهديدات الوجودية.
لكن، هل يمكننا أن ننكر أن هذا الهوس هو نفسه ما دفعه لتحقيق إنجازات غير مسبوقة في عالم التكنولوجيا والفضاء والطاقة؟ أليس الجنون أحيانًا هو وجه آخر للعبقرية؟
صراع ماسك مع ترامب والديمقراطيين ليس مجرد خلاف شخصي، بل هو معركة ستترك آثارها على السياسة الأمريكية وربما على مستقبل البشرية.
لكن، مهما بلغت قوة رأس المال، تبقى الدولة الأمريكية أقوى وأقدر على الصمود. خسارة ماسك في هذه المعركة ستكون أشد وقعًا عليه من خسارة ترامب، لأن الدولة لا تهزمها نزوات الأفراد مهما بلغت ثرواتهم أو جنونهم.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام عبقري يقود البشرية نحو مستقبل أفضل، أم أمام مهووس يجرّ العالم إلى فوضى لا يمكن التنبؤ بعواقبها؟
إيلون ماسك هو ذلك اللغز الذي يستفز عقولنا، ويجبرنا على إعادة التفكير في معنى القيادة، والجنون، والعبقرية.
ربما لا نملك إجابة اليوم، لكن المؤكد أن العالم لن يبقى كما كان بعد إيلون ماسك.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك