أهداف أمريكا من الحرب… وهل تحققت أم لا ؟
أحمد فاروق عباس
تبدو الولايات المتحدة في هذه الحرب في موقف ملتبس، وسياسة مزدوجة، حيث يحكم موقفها اعتبارين لكل منهما منطقه الخاص…
ــ الاعتبار الاول: أن نظام الحكم الديني في إيران يحقق للولايات المتحدة اهداف كبري، ويضع في يديها مصالح لا يمكن الاستغناء عنها، فهو النظام الذي تستخدمه لإخافة دول البترول العربية واثاره رعبهم، ويحقق ذلك لامريكا الفوائد التالية:
أ ــ بسبب الخوف من ايران وسياستها التوسعية تلجأ دول الخليج العربية للولايات المتحدة طلبا للحماية..
ب ــ وبسبب خوفهم من الايرانيين يقدم أهل الخليج العربي بترولهم وفوائض امواله عن طيب نفس لأمريكا، ويشترون سلاحها وسلاح حلفاءها، وهو بند ضروري لاقتصاديات صناعة السلاح في الغرب ودوام انتعاشها..
ج ــ هو المبرر الذي تستخدمه أمريكا لوجودها الدائم في مياه الخليج العربي وإقامة قواعد عسكرية كبيرة لها في كل دوله تقريبا..
وللولايات المتحدة قواعد عسكرية في قطر والامارات والبحرين والكويت والسعودية، وقبل ١٩٧٩ ــ السنة التي قامت فيها الجمهورية الاسلامية في ايران ــ لم يكن للولايات المتحدة وجود في الخليج العربي ولا قواعد عسكرية في دوله، وبعد قيامها أصبح الخليج العربي ودوله شبه محمية أمريكية…
هذه جملة الفوائد التي يحققها نظام حكم ولاية الفقيه في ايران لأمريكا، ومن هنا لا تريد امريكا إنهاء وجود هذا النظام المفيد بل احتواءه، ولا تريد تحطيمه بل تريد تأديبه…
ومنذ البداية، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا من قررا انهاء حكم شاه ايران والمجئ برجال الدين في ايران للحكم، كان الشاه قد بدء يتمرد علي الهيمنة الأمريكية البريطانية علي حكمه، ويتخذ لنفسه سياسة شبه مستقلة، فتقارب مع الاتحاد السوفييتي واتفق معه علي مد انابيب الغاز بين ايران وروسيا وصولا لألمانيا وباقي أوربا بدون استشاره الحلف الانجلوسكسوني..
وحاول صنع سلاح نووي بمساعدة فرنسية المانية سوفيتية…
كانت تلك السنوات التي تلت ١٩٧٣ وفورة الارتفاع الهائل في أسعار البترول، وتحكم العرب والايرانيين الذين يهيمنون علي سياسة منظمة الدول المصدرة للبترول ــ اوبك ــ في اقتصاديات البترول.. انتاجا وتوزيعا وسعرا…
وسعت الولايات المتحدة الي تخطيط سياسة جديدة في منطقة الشرق الاوسط، والتي هي بدون أي شك اهم مناطق العالم، وموطن الكنز الذي يحاول الجميع الوصول اليه..
فعمدت اولا ألا يحدث ما حدث عام ١٩٧٣ مرة ثانية، ومن هنا تم قتل الملك فيصل ملك السعودية عام ١٩٧٥ بسبب موقفه من وقف تصدير البترول للغرب اثناء وبعد حرب اكتوبر، وكان قاتله قريب له وصل حديثا من الولايات المتحدة، ولا يعرف أحد ماذا وضعوا في رأسه هناك ليقرر ذلك الشاب قتل عمه اثناء سلامه عليه… وفهم ملوك السعودية اللاحقين الدرس واستوعبوا معناه جيدا..
وبدأت منذ بدايات عام ١٩٧٦ الترتيب بطريقة ناعمة لخلخلة حكم الشاه في ايران تمهيدا لخلعه، ورأينا الأسلوب الذي أصبح كلاسيكيا في تطبيق الغرب لسياسة صنع الثورات في الدول التي يريد تفجيرها من الداخل… فبدأت منظمات حقوق الانسان ترفع صوتها عن وجود انتهاكات في ايران، ثم بدء التيار اليساري النشاط بشدة ضد نظام حكم الشاه، وبعد سلسلة من الاحداث المريبة في الشارع الايراني وفي أعلي جهاز الحكم انتهي الأمر بطائرة فرنسية تنقل رجل دين ايراني عجوز من باريس حيث كان يقيم لاجئا سياسيا بائسا ليصبح الحاكم بأمره في دولة من أهم دول العالم !!
وبمجرد وصوله الي حكم إيران بدء رجل الدين المسن في التحرش بجيرانه، ونادي بما عرف وقتها بسياسة تصدير الثورة، ودخل حربا طويلة ضد العراق، ومن يومها والي الآن لم يعرف الخليج العربي الراحة…
وقام نظام الحكم الجديد بصنع تنظيمات وتشكيلات عسكرية وسياسية ودينية له في بعض الدول العربية ــ لبنان واليمن والعراق ــ وكان له رجاله الاقوياء في دول كالكويت والبحرين.. وهو ما ادي عمليا الي شبه حرب اهلية سياسية وأحيانا عسكرية بين مكونات البلد الواحد في أكثر من قطر عربي..
ــ الاعتبار الثاني الذي يحكم سياسة الولايات المتحدة تجاه نظام الحكم في ايران، ان هذا النظام الذي صنعه الغرب تدور في رأسه أحيانا نوازع استقلال.. فكما فعل الشاه من قبل حاول النظام الجديد التمرد علي من جاء به الي حكم ايران، وتقارب مع الروس والصينيين، ولم يكن في ذلك ــ من وجهه نظر الغرب ــ مشكلة كبيرة، ولكن جاءت المشاكل مع إصرار نظام الحكم الديني في إيران علي امتلاك التكنولوجيا النووية بصورتها السلمية والحربية، وهو ما يتيح له الارتفاع درجات، وان يتعامل مع الغرب من موقع الند أو الشريك وليس التابع أو المنفذ لسياسة غيره حتي لو استفاد هو شخصيا بشدة من تلك السياسة..
ومن هنا جاء التباس الموقف الامريكي من الحرب الحالية في الشرق الاوسط… فهو لا يريد تغيير النظام بل احتواءه، ولا يريد تحطيمه بل تأديبه…
ومن هنا كان موقف أمريكا اثناء الحرب، فهي كم يمشي علي سلك مشدود، لا تستطيع أن يميل الي هذه الناحية فإذا هي تنهي هذا النظام من الوجود، ولا تستطيع الميل الي الناحية الاخري فإذا هي تتركه يحوز سلاحا نوويا سوف يشهره في وجهها ووجه حلفاءها طالبا أثمان لن تستطيع الخضوع لها…
وهو ما يختلف عن الموقف الإسرائيلي، فإسرائيل تريد بلا لبس تغيير النظام في ايران، وتري ان نهاية التهديد الايراني لها لن يكون كاملا ونهائيا إلا بذهاب هذا النظام ومجئ نظام حكم بديل تستطيع اسرائيل التفاهم معه…
والسلك المشدود الذي مشت عليه الولايات المتحدة في سياستها تجاه ايران ــ معاقبتها دون تغيير نظامها، واحتواءه وليس تحطيمه ــ هو ما جعلها تطلب من اسرائيل توجيه ضربة لإيران، وهي تعلم انه ليس بمقدور اسرائيل تغيير النظام في ايران، ولا في يدها الوسائل لتحطيمه..
وهو نفس السبب الذي جعل الولايات المتحدة تكتفي بضربة واحدة ــ ووحيدة ــ للبرنامج النووي الايراني، وهي ضربة مختلف علي تقييم أثرها حتي داخل الولايات المتحدة ذاتها…
ولهذا السبب جاء اللبس عند كثيرين أن الضربة الامريكية ضد ايران والرد الايراني عليها في قطر نوع من المسرحيات… وهو قول ليس صحيحا، ولكن هو ــ من وجهه نظر الولايات المتحدة ــ نوع من ضرب خصم تحتاج الي وجوده اكثر من حاجتها الي الصديق، فهذا الخصم يحقق لها من الفوائد ما لا يحققه صديق وفي…
وهو ــ من وجهه نظر ايران ــ التزام بقواعد اشتباك معروفة سلفا مع قوى لا يضمن رد فعلها، وقد جعلتها الظروف في موضع أقوي دولة في العالم، ويعمل لها اقوياء العالم ألف حساب…
ازدواج السياسة الامريكية تجاه ايران هو سبب تلك اللخبطة التي اصابت كثيرين في فهم حقيقة ومعني ما يجري..
حاجتها الي ايران من ناحية… وضرورة شد اذنها لعدم شرودها بعيدا من ناحية ثانية..
وهي سياسة ــ كما يبدو امامنا ــ مستمرة معنا لوقت طويل…



إرسال التعليق