نتنياهو .. في مأزق كبير
مروان صباح
/رغم كل ما قيل ويقال عن القدرات العسكرية الإسرائيلية 🇮🇱 ، ورغم الدعم الأمريكي اللامحدود 🇺🇸 ، فإن التجربة أثبتت أن إسرائيل لم تنجح ، حتى اليوم ، في بناء جيش قادر على خوض حرب طويلة الأمد ، فالبنية التي تأسس عليها الكيان الإسرائيلي قائمة على تفوق تكتيكي استخباراتي ، وليس على قدرة مستدامة في ميادين القتال المفتوح ، وعلى الرغم من علاقاتها الاستراتيجية بالغرب ، لا سيما في المجال العسكري ، وما يترتب عليها من تفوق جوي نوعي ، إلا أن إسرائيل 🇮🇱 ما تزال تعتمد اعتماداً مفرطاً على أدوات الاستخبارات والاختراقات الأمنية كأساس للردع والهجوم (Bar-Joseph & Ben-Hanan, 2012) .
وهذا الإعتماد الأمني المفرط يدفع تل أبيب باستمرار للضغط على واشنطن لإنهاء الحروب التي تبدأها بسرعة ، لأن استمرارها يؤدي إلى آثار كارثية على الجبهة الداخلية ، وهذا ما حدث تحديداً خلال التصعيد مع إيران 🇮🇷 ، حيث تسببت الضربات الإيرانية اليومية ، وإن كانت محدودة ، في شلل شبه كامل للحياة العامة ، ودفعت شرائح من الإسرائيليين إلى التفكير بالهجرة ، وفقاً لتقارير صدرت عن مراكز دراسات سوسيولوجية داخل إسرائيل (Israeli Democracy Institute, 2024).
من ناحية استراتيجية ، فإن مواجهة التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي تتطلب منظومات مضادة تعمل داخل الإقليم وعبر شبكة دولية من العملاء 🪢 ، بعضها علني وبعضها تمويهي ، قادرة على تشويش 🛜 المعلومات أو إرباك التحليل الإسرائيلي ، خاصة في فترات النزاع المسلح ، فخلال الحرب الأخيرة ، كانت إسرائيل 🇮🇱 تتوقع أن تشنّ إيران 🇮🇷 ضربات مكثفة في الأيام الأولى ، تستنزف من خلالها مخزونها الصاروخي ، ليتم بعد ذلك سحقها جواو ، لكن الإيرانيين انتهجوا تكتيكاً معاكساً : ضربات محدودة ومدروسة تؤدي إلى إطالة أمد الحرب واستنزاف متدرج للبنية العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية (Cordesman, 2023).
أما فيما يخص البرنامج النووي الإيراني ، فإن ما يُروّج له في الإعلام الغربي 🇪🇺 🇺🇸 – بأن إسرائيل 🇮🇱 أو الولايات المتحدة 🇺🇸 دمّرت مراكز حيوية في البرنامج – لا ينسجم مع المعطيات التقنية ، فبحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI, 2024)، فإن اليورانيوم المخصب بنسبة 80% ما زال محفوظاً في أنفاق تحت الأرض ، محصّنة ضد الهجمات الجوية ✈ ، كما أن البنية المعلوماتية الخاصة بتقنيات التخصيب محمية في منظومات لا يمكن الوصول إليها بسهولة ، سواء عبر عمليات إلكترونية أو عبر عملاء .
الأمر لا يقتصر على البنية النووية ، فالإيرانيون ما زالوا يحتفظون بقدرة صاروخية تكفي لتعطيل جميع القواعد الجوية الإسرائيلية ، بما في ذلك المطارات العسكرية التي تحتاجها المقاتلات ✈ للهبوط والتزود بالسلاح والوقود ، ولهذا ، بدأت تل أبيب بالبحث عن مدارج احتياطية في مناطق خارج جغرافيتها ، كخطة طوارئ ، ويحدث هذا رغم التعاون الاستخباراتي والعسكري الوثيق مع الولايات المتحدة 🇺🇸 ، والذي يسهّل على إسرائيل 🇮🇱 تنفيذ عمليات دقيقة داخل العمق الإيراني ، بل وحتى إسقاط الصواريخ والمسيرات قبل أن تصل إلى أهدافها .
فالبيانات التقنية تؤكد أن الصاروخ الإيراني 🇮🇷 يحتاج إلى 13 دقيقة فقط ليصل إلى إسرائيل 🇮🇱، بينما تحتاج الطائرات الإسرائيلية لقطع أكثر من 1500 كيلومتر في كل طلعة حتى تصل إلى أهداف داخل إيران ، وهو ما يجعل ميزان ⚖ الوقت والإنهاك يميل لصالح طهران ، إذا طالت الحرب ، ولذلك ، فإن إيران 🇮🇷 لا تمانع في استمرار المواجهة ، لأنها تدرك أن إطالة الحرب تعني استنزافاً حتمياً لإسرائيل ، خاصة بعد فشل الأخيرة في تدمير منظومات الدفاع الجوي الإيراني ، والتي كانت تأمل أن يمنحها تدميرها تفوقاً مشابهاً لحرب حزيران/يونيو 1967 (Kober, 2020).
في تلك الحرب ، قامت إسرائيل 🇮🇱 بتعطيل رادارات القيادة المصرية 🇪🇬 في سيناء ، مما شل قدرة الطيارين المصريين على العمل ، ودمر المطارات على الأرض ، فحُرم الجيش المصري من الغطاء الجوي ، الأمر الذي ساهم في هزيمته ، أما اليوم، فإن التفوق التقني الإسرائيلي لا يستطيع أن يعيد نفس السيناريو ، بسبب الطبيعة المتقدمة للدفاعات الإيرانية وتموضعها المعقد .
ما يتبقى أمام الإيرانيين اليوم ، هو تحييد التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي ، وهو تفوق لا يمكنه – في التحليل الاستراتيجي – أن يتحول إلى حسم ميداني مستدام ، ولهذا ، فإن استمرار القتال يصب في صالح إيران 🇮🇷 ، خاصة إذا تم ربط أي إتفاق لوقف إطلاق النار بانسحاب كامل من قطاع غزة 🇵🇸 ، ورفع الحصار ، وضمانات بعدم إقتحام المسجد الأقصى مستقبلاً .
وبينما تعيش إسرائيل 🇮🇱 اليوم شللاً حقيقياً في قطاعاتها الحيوية ، تبقى المعركة مفتوحة ، لكن بحسابات جديدة ، تعيد تعريف التفوق على أسس لا تكتفي بالتكنولوجيا بل تتطلب عمقاً استراتيجياً طويل النفس . والسلام



إرسال التعليق