فوردو تنجو وأمريكا تتخبّط

إعداد وتحليل د. زياد الزبيدي
بعد ترجمة النص عن الروسية

فجر اليوم، اجتاز العالم عتبة خطيرة نحو أزمة عسكرية وسياسية غير مسبوقة. فالقصف الأميركي، وقبله الإسرائيلي، لمواقع إيران النووية لم يُسفر عن النتائج المرجوة، وإضطر معه المخططون في تل أبيب وواشنطن إلى التفكير بخيارات أكثر تطرفًا، وعلى رأسها إرسال وحدات النخبة من الكوماندوز إلى عمق الأراضي الإيرانية.

هجوم جوي بحجم الهستيريا

في عملية عسكرية وُصفت بأنها الأكثر طموحًا منذ سنوات، ألقت قاذفات B-2 Spirit الأميركية العملاقة قنابل GBU-57A/B الخارقة للتحصينات على مواقع نووية إيرانية في فوردو، نطنز، وأصفهان. كانت الأهداف المعلنة واضحة: “تدمير قلب البرنامج النووي الإيراني”. غير أن النتائج الفعلية جاءت مخيبة للتوقعات، بل ومثيرة للقلق العالمي. قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن ما جرى يمثل “تصعيدًا خطيرًا في منطقة على شفا الإنفجار، وتهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين”.

“تدمير الأوهام وليس المفاعلات”

لم يُدمَّر البرنامج النووي الإيراني، بل على العكس، إزدادت المخاوف من تسريع مسار التسلح. حيث يشير تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن طهران تمتلك بالفعل قرابة 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو ما يُقربها من إمتلاك القنبلة النووية خلال أسابيع فقط، حال إتخاذ القرار السياسي. وكما يقول الكاتب سيرغي إيشنكو، الصحفي والمعلق العسكري الروسي المعروف، ساخرًا: “لا يمكن تصديق أن هذا الهجوم سيوقف إيران عن إنتاج السلاح النووي. بل العكس، سيدفعها لتطويره، وربما إستخدامهُ”.

وربما ما يثير رعب الأميركيين والإسرائيليين أكثر، ليس ما دُمر، بل ما لم يُعثر عليه. فاليورانيوم المخصب نُقل إلى أماكن سرية، بحسب ما أكده الجنرال محسن رضائي لوكالة رويترز: “إحتياطاتنا النووية تم نقلها إلى مواقع آمنة وسرية قبل الضربات الجوية”.

ما لا تراه الأقمار الصناعية… يكتشفه الكوماندوز

في ظل تعذر تدمير المواد النووية جوًا أو تعقبها بالأقمار الصناعية، يظهر خيار العمليات الخاصة كالمخرج الوحيد. موقع Axios الأميركي كشف أن الجيش الإسرائيلي يُعد بالفعل لعمليات كوماندوز على نمط عملية “مسارات متعددة” التي نُفذت عام 2024 داخل الأراضي السورية، ودُمّر خلالها مصنع صواريخ تحت الأرض تابع لإيران.

وآنذاك، نفّذ 120 عنصرًا من وحدة Shaldag الإسرائيلية الهجوم خلال 150 دقيقة فقط، مستخدمين كلابًا مدربة، شحنات متفجرة، ومروحيات طراز CH-53D، وبدعم من الطائرات والطائرات بدون طيار. لم يُصب أي جندي إسرائيلي بأذى، وكانت الخسائر في صفوف العدو فادحة.

النجاح الساحق لذلك الهجوم السري دفع القادة العسكريين في إسرائيل والولايات المتحدة لدراسة تطبيق نموذج مشابه داخل إيران. وقد يتم تنفيذ الهجمات من قِبل وحدات نخبة أميركية مثل الفرقة 75 من الرينجرز، وفريق العمليات النووية الخاصة NDT-1، الذين تدرّبوا خصيصًا لمثل هذه السيناريوهات.

لكن الإيرانيين أيضًا تعلموا الدرس

ورغم التفوق التقني والتدريبي الإسرائيلي – الأميركي، إلا أن الإيرانيين، كما يقول إيشنكو، “درسوا جيدًا إخفاقات الماضي”. وهم بلا شك يعدّون كمائن قاسية لأي عملية تسلل، خاصة أن ذاكرة “عملية مخلب النسر” عام 1979 لا تزال حيّة. ففي تلك المحاولة الأميركية لإنقاذ الرهائن من السفارة الأميركية بطهران، فشلت المهمة فشلًا ذريعًا: تحطمت مروحيات، قتل ثمانية جنود، وتركت معدات سرية كاملة خلفها.
“عليه أن يتذكر كارتر”، يكتب إيشنكو في إشارة إلى فشل الرئيس الأميركي الأسبق، محذرًا ترامب من تكرار ذات الأخطاء.

طهران تتوعد: “سنرد بما يندم عليه المعتدون”

بعد الهجوم، أصدر الحرس الثوري الإيراني بيانًا شديد اللهجة، قال فيه: “العدوان الأميركي السافر، بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، يمثل إنتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي… وهو يخول الجمهورية الإسلامية بالرد بخيارات تفوق تصور المعتدين”.

خلاصة: لعبة النار بدأت… ولكن من يحرق أصابعه أولًا؟

من الواضح أن الضربات الجوية الأميركية – الإسرائيلية لم تحقق الهدف النهائي. بل دفعت إيران نحو مواقع أكثر تطرفًا، وأجبرت الطرف الآخر على التفكير بخيارات أكثر مخاطرة.

السباق الآن ليس فقط على السيطرة على البرنامج النووي الإيراني، بل على تجنب حرب شاملة قد تتوسع إلى خارج حدود الشرق الأوسط. ومع وجود 400 كغم من اليورانيوم عالي التخصيب في أماكن لا يعلم بها أحد سوى طهران، فإن “القلق من الرد غير المتوقع هو ما سيُبقي الجميع مستيقظين في الليل”، كما قال المحلل العسكري روبرت كيلي لوكالة بلومبيرغ.

وإلى أن يُكشَف عن الخطوة التالية في هذا التصعيد المتدحرج، تبقى الحقيقة الوحيدة هي أن ما بعد 22 يونيو 2025 ليس كما قبله.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك