المؤامرة مستمرة !
حسن مدبولى
في رحلة الشعوب نحو الاستقلال والسيادة، كانت هناك دومًا مشاريع للنهضة العربية والإسلامية، طمحت لبناء دول قوية تمتلك قرارها وتتحرر من الهيمنة الأجنبية. غير أن هذه المشاريع لم تُترك وشأنها، بل تعرضت لحصار وتآمر منظم، كان الغرب دائمًا في صدارته، مدفوعًا برغبة استراتيجية في بقاء الشرق العربى الإسلامى ضعيفًا، مجزءا،وتابعًا. ويمكن رصد أبرز هذه المؤامرات من خلال عدة وقائع فارقة في تاريخ المنطقة وبلدانها :
1- محمد علي.. البداية التي أرعبت أوروبا
حين شرع محمد علي، والي مصر، في بناء دولة عسكرية صناعية حديثة مطلع القرن التاسع عشر، لم يكن طموحه محليًا فقط، بل إقليميًا يتجاوز مصر نحو الشام والأناضول والجزيرة.حيث أرسى نظامًا إداريًا متقدمًا،و أنشأ جيشًا نظاميًا، كما أطلق نهضة عمرانية وتعليمية غير مسبوقة.
لكن أوروبا، وعلى رأسها بريطانيا وروسيا، رأت في هذا المشروع تهديدًا مباشرًا لمصالحها، فتدخلت عسكريًا في معركة نافارين (1827) لتدمير الأسطول المصري، ثم فرضت علينا اتفاقية 1841 التي نزعت من مصر أي حق في التوسع أو الاستقلال العسكري. بذلك تم وأد أول مشروع نهضوي مصرى عربي إسلامى قبل اكتماله.
2-جمال عبد الناصر، ضد الإستعمار ،
برز عبد الناصر زعيمًا لحركة تحرر قومي عربي، رافعًا شعارات الاستقلال، والعدالة الاجتماعية، والوحدة، ومعاديًا للصهيونية والاستعمار. وكانت شعبيته تجتاح الشارع العربي من المحيط إلى الخليج.
لكن الغرب، خصوصًا أمريكا وفرنسا، ومعهم إسرائيل، لم يروا في الناصرية سوى تهديد وجودي لمشاريعهم. فكانت هزيمة 1967 كارثة مدبّرة، بتواطؤ استخباراتي أمريكى أوروبى صهيونى مكشوف،حيث هدف ذلك العدوان إلى ضرب هيبة الجيش المصري، وتحطيم مشروع الوحدة والتحرر. ومع سقوط القدس والضفة وسيناء، تهاوى الحلم الناصري، ليحل مكانه مشروع “السلام مقابل الاستسلام”.
3- العراق.. عندما تستخدم المنظمات الدولية لقهر العرب،
في عهد صدام حسين، رغم طغيان حكم الفرد،ونرجسية بعض قيادات حزب البعث الحاكم، شهد العراق تطويرًا واسعًا لقدراته العسكرية والثقافية والتعليمية والاجتماعية، كما سعت بغداد لامتلاك تكنولوجيا متقدمة، بما في ذلك برامج نووية وأسلحة استراتيجية، ما أثار رعب الغرب وإسرائيل.
فجاءت حرب الخليج الأولى (1991) مقدمة لتدمير العراق، تبعتها سنوات حصار خانق ممنهج ومشرعن بواسطة المنظمات الدولية ، ثم الغزو الأمريكي عام 2003 بذريعة وجود أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة أصلًا.
وقد انتهت الحرب بتفكيك الجيش، وتدمير مؤسسات الدولة، وإغراق البلاد في صراعات طائفية، كجزء من خطة لتفتيت أي قوة عربية قد تنافس المشروع الصهيوني أو تخرج عن العباءة الأمريكية.
4- تركيا: بين العسكر والمدنيين.. الصراع الغربى المستمر
رغم انخراطها المبكر في منظومة الغرب (الناتو)، لم تُترك تركيا الحديثة لتقرر مسارها بحرية. فكلما صعد تيار إسلامي أو وطني مستقل، كان الانقلاب العسكري حاضرًا، بتحريض وتخطيط خارجي.
شهدت تركيا عدة انقلابات (1960، 1971، 1980)، وكان آخرها المحاولة الفاشلة في يوليو 2016، والتي وُجهت فيها أصابع الاتهام إلى تنظيم غولن وأطراف غربية وعربية منبطحة، وظل الهدف الدائم هو منع النموذج التركي من التبلور كدولة إسلامية ديمقراطية مستقلة وقوية. تصلح نموذجا للنهضة،
5- إيران: بين مصدق المدنى الليبرالى وخامنئى المتدين ،العدو واحد ،
في خمسينيات القرن الماضي، تجرأ رئيس الوزراء الإيراني المدنى محمد مصدق على تأميم النفط، فأسقطته المخابرات الأمريكية والبريطانية عام 1953 في انقلاب دموي أعاد حكم الشاه التابع الذليل للغرب ، والذى كان مصدق قد طرده من البلاد، حيث أرادوا إيران بلا قرار، وبلا كرامة.
لكن بعد الثورة الإسلامية عام 1979، ظهرت إيران مجددًا كمشروع مقاوم مستقل، داعم لحركات التحرر ومناهض للتطبيع رغم الحصار والتضييق، وعندما حافظت طهران على استقلال قرارها، وتقدمت في البرامج النووية والعسكرية. كان لا بد من ضربة لوقف هذا التقدم الكبير، وبالفعل تعرضت إيران في يونيو 2025 لهجوم أمريكى -صهيوني استهدف منشآتها الحيوية، بحجة الملف النووي. الضربة هدفت لإسقاط المشروع لا للردع، ولمنع أي توازن قوى في الإقليم.ولا يزال العدوان مستمرا ،بكل اجرام وخسة وصلت لحد قصف المنشآت النووية ،والتهديد بقتل الإمام الخامنئى،
خلاصة:
بات من الواضح وبعيدا عن نظريات المؤامرة،انه كلما برزت دولة عربية أو إسلامية ذات طموح استقلالي، تمت محاصرتها أو ضربها أو اختراقها من الداخل أو الخارج، دون تفريق بين نظام ملكى أو جمهوري، ولا بين إسلامي أو قومي، أو بين عربي أو أعجمي؛ فطالما أن المشروع خارج الهيمنة الغربية، يصبح هدفًا للتدمير.



إرسال التعليق