الديبلوماسية الاستراتيجية في زمن الحرب قطرا نموذج
بن غربي احمد
الدبلوماسية الاستراتيجية في زمن التوترات: من إدارة العلاقات إلى هندسة التوازن
تشير الدبلوماسية، في مفهومها التقليدي، إلى فن إدارة العلاقات الدولية، سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف، بما يضمن مصالح الدول ويُكرّس الاستقرار وفق منطق التفاهم والتفاوض. غير أن هذا المفهوم يفقد كثيرًا من فعاليته حين تقترب الأوضاع من نقطة الانفجار، حيث تتحول الدبلوماسية إلى أداة أكثر تعقيدًا ترتبط بما يُعرف بـ”الدبلوماسية الاستراتيجية” – وهي ممارسة لا تكتفي بإدارة الوضع القائم، بل تسعى إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية والدولية وترتيب أولويات المخاطر.
في منطقة الشرق الأوسط، حيث تراكمت التوترات بفعل تدخلات خارجية عنيفة، وتآكل الأنظمة الحامية، وتصاعد الفاعلين من غير الدول، وتبدّل أنماط التحالفات، أضحى المشهد الإقليمي هشًا ومعرّضًا للانفجار في أية لحظة. وقد فاقم غياب القوة الضابطة – التي لطالما لعبت دور التوازن في معادلة الردع – من هذه الهشاشة، وفتح الباب أمام مغامرات قد تتحول إلى حروب شاملة لا تنحصر آثارها في حدود المنطقة.
في هذا السياق، تصبح الدبلوماسية التقليدية عاجزة عن التعاطي مع حجم التهديدات، لأنها لا تملك أدوات استباق الانفجار، بل تعمل غالبًا كوسيط بعدي لمحاولة احتواء نتائجه. بينما الدبلوماسية الاستراتيجية تتحرك في منطقة رمادية بين الحرب والسلم، تُراكم أوراق القوة الناعمة والصلبة، وتستخدم الأدوات النفسية والمعلوماتية والسياسية والعسكرية، ليس لتحقيق استقرار سطحي، بل لإعادة رسم خرائط التأثير والتحكم في لحظة الصدام.
لقد كانت الضربة الإيرانية الأخيرة على قاعدة العديد الأميركية في قطر مثالًا حيًا على لحظة تلامس مع حافة الانفجار. ضربةٌ كان يمكن أن تُشعل حربًا إقليمية شاملة، غير أن تعامل الدوحة مع الحدث كشف عن مستوى رفيع من إدارة الأزمات. ففي وقت كانت فيه معظم العواصم العربية تترقب الانفجار، تحركت الدبلوماسية القطرية بهدوء وواقعية، لتحوّل المسار من مواجهة مفتوحة إلى تهدئة مؤقتة تسمح بإعادة تشغيل قنوات التفاوض.
ورغم أن إيران أخطأت التقدير بالمغامرة داخل حليف استراتيجي لأميركا في الخليج، فإن سلوكها يعكس ممارسة متعمّدة لما يُعرف بـ”دبلوماسية حافة الهاوية”، وهي مقاربة تراهن على الاقتراب من الصدام دون الانزلاق فيه، بهدف تحصيل مكاسب تفاوضية، خصوصًا في ظل الانسداد القائم نتيجة استمرار التصعيد بينها وبين إسرائيل.
ما كشفته هذه الحادثة، أيضًا، هو أن بعض دول المنطقة لم تعد مجرّد ساحات صراع، بل صارت فاعلة في هندسة التوازن. فقطر، رغم موقعها الجغرافي الحساس، لم تكتفِ بدور المفعول به، بل أظهرت قدرة على امتصاص الصدمة، وإعادة توجيه الأزمة نحو خيارات دبلوماسية أكثر عقلانية.
في زمن الانفجارات الصامتة والتوترات التي تعبر حدود الدول والجيوش، تتحول الدبلوماسية من أداة اتصال إلى أداة ردع ناعم، ومن واجهة سياسية إلى عمق استراتيجي للأمن القومي. ومن هنا، فإن مستقبل المنطقة سيتوقف، بدرجة كبيرة، على قدرة الفاعلين المحليين على تبنّي دبلوماسية استراتيجية تعيد ضبط الساعة السياسية بعيدًا عن منطق التصعيد المفتوح أو الاستسلام للأمر الواقع.



إرسال التعليق