-ما بعد الصواريخ: الشرق الأوسط بين نار الحرب وصمت الهزيمة-

رحيم حمادي غضبان

بعد أكثر من عشرة أيام من التصعيد المتبادل، حين كانت الصواريخ والمسيرات تملأ الأجواء بين طهران وتل أبيب كأنها شهبٌ نارية تمزق سماء الشرق الأوسط، بدا المشهد وكأنه انفجار طويل الأمد لتاريخ من التوترات المكبوتة. لم تكن المعارك مجرد ضربات عسكرية متبادلة، بل كانت تعبيرًا صارخًا عن صراع وجودي بين مشروعين، أحدهما يسعى لترسيخ هيمنته على المنطقة عبر التفوق العسكري والتحالفات الدولية، والآخر متمسك بأحقيته الإقليمية ودوره كقوة رادعة في وجه ما يسميه “الكيان الصهيوني وحلفائه”. في خضم هذا التراشق المتسارع، انهارت بنايات، واحترقت منشآت عسكرية، وتضررت البنى التحتية في كل من إيران وإسرائيل، مما أعاد للأذهان مشاهد الحروب الشاملة التي كانت تبدو حتى الأمس القريب من مستحيلات السياسة.

ولكن اللحظة الفاصلة جاءت عندما تدخلت الولايات المتحدة، لا كوسيط وإنما كقوة حاسمة، حين أطلقت قاصفاتها الشبح محملة بأطنان من القنابل الموجهة نحو أهداف دقيقة، في عملية بدا واضحًا أنها مخطط لها مسبقًا ضمن استراتيجية إدارة ترمب العائدة إلى الواجهة بثوب جديد. الضربة لم تكن فقط موجهة لإيران، بل كانت بمثابة رسالة صريحة مفادها أن أي تهديد لاستقرار إسرائيل سيواجه بردّ ناري كاسح، بغض النظر عن الحسابات الإقليمية أو المواقف الدولية. الرد الإيراني جاء باهتًا، أقرب إلى مشهد تمثيلي منه إلى عملية عسكرية حقيقية، حيث أطلقت طهران صواريخ محدودة على قاعدة العديد الأمريكية في قطر، دون أن تسفر عن خسائر تُذكر، ما جعل المراقبين يرون أن إيران أرادت فقط حفظ ماء وجهها أمام جمهورها الداخلي ومحورها الممتد في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

لكن السؤال الأهم هنا ليس ما حدث، بل ما سيحدث. هل توقفت الحرب فعلًا؟ الظاهر أن العمليات العسكرية خفت وتيرتها، لكن الحقيقة أن الصراع لم ينته، بل دخل مرحلة أكثر خطورة: الصراع الصامت، حرب الظلال، وتبادل الرسائل عبر الوكلاء، والضغوط الاقتصادية، والاختراقات السيبرانية، وعمليات الاغتيال الخفية. هذا النوع من الصراع، رغم هدوئه الظاهري، قد يكون أكثر تدميرًا على المدى البعيد، لأنه يتسلل إلى مؤسسات الدول ويصيب بنيتها من الداخل، ويؤدي إلى زعزعة أمن المنطقة دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

وفي خضم هذا كله، يبقى الخاسر الحقيقي هم العرب، ودول الخليج والعراق تحديدًا. فالمنطقة تحولت إلى ساحة صراع تتبادل فيها القوى الكبرى والاقليمية رسائلها الدموية، بينما يقف العرب على الهامش، إما متفرجين أو أدوات تُستخدم لتحقيق أهداف الآخرين. العراق، على وجه الخصوص، يدفع الثمن الأكبر، ليس فقط لأنه ساحة نفوذ مزدوجة بين إيران وأمريكا، بل لأنه فقد قراره السيادي، وصار رهينة لصراع لا يملك أدواته ولا قراره. دول الخليج من جهتها، وإن حاولت تعزيز أمنها عبر التحالفات الغربية، فإنها باتت أكثر هشاشة أمام أي تصعيد محتمل، لأن أمنها القومي بات مرهونًا بمزاج القوى الكبرى لا بإرادة الشعوب أو الحكومات.

الرؤية المستقبلية لهذا الواقع تشير إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة ما بعد الدولة الكلاسيكية، حيث لم تعد الحدود السياسية ولا السيادة الوطنية كافية لضمان الاستقرار. المنطقة تتجه نحو تشكل خرائط جديدة غير مرئية، تُرسم بالقوة الناعمة أحيانًا، وبالنار والبارود أحيانًا أخرى. وإذا لم تتحرك الأنظمة العربية بسرعة نحو بناء مشروع سياسي وأمني مشترك، يعيد للعرب دورهم المفقود، فإن العقود القادمة ستشهد مزيدًا من التفكك والارتهان، وستبقى العواصم العربية مسرحًا لتصفية الحسابات بين طهران وتل أبيب وواشنطن، بينما يُمنح العرب فقط دور المتفرج الذي لا يملك حتى حق الاعتراض.

باختصار، الحرب لم تنتهِ، بل تبدلت أشكالها، والخاسر الحقيقي هو من لا يملك قراره، والمستقبل لمن يملك الشجاعة في بناء رؤية إقليمية مستقلة لا تُدار من العواصم البعيدة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك