بين الشراكة والخذلان الموقف الروسي أتجاه ايران
رحيم حمادي غضبان
الاتفاقيات الأمنية والعسكرية بين الدول تُبنى على أسس من المصالح الاستراتيجية والثقة المتبادلة، وتُفترض فيها صراحة أو ضمناً قاعدة “الدفاع المشترك”، حيث يلتزم الأطراف بالوقوف إلى جانب بعضهم البعض في مواجهة التهديدات أو العدوان، سواء عبر الدعم اللوجستي أو تسليح الحليف أو حتى إرسال القوات. ومن الأمثلة الحديثة على هذه النوعية من التحالفات الاتفاق الأمني والعسكري بين روسيا وإيران، والذي تعمّق بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حين لعبت إيران دوراً محورياً في دعم روسيا بمسيّراتها التي أثبتت فاعليتها في ساحة القتال، مما ساعد موسكو في تجاوز بعض النقص التكنولوجي والعسكري الذي فرضته العقوبات الغربية.
لكنّ المفارقة الملفتة تكمن في السلوك الروسي تجاه ما تتعرض له إيران اليوم من عدوان متعدد الأوجه، تقوده إسرائيل بدعم أمريكي مباشر، ويطال منشآت عسكرية وبنى تحتية استراتيجية وحتى قيادات من الصف الأول للحرس الثوري الإيراني داخل سوريا وأحياناً داخل إيران نفسها. هذا العدوان الذي تطور ليصبح حرباً بالوكالة يتجلى فيه التواطؤ الغربي والإسرائيلي بشكل فاضح، لم يقابل حتى الآن بأي موقف روسي فاعل أو دعم ملموس لطهران، مما يثير تساؤلات جدية حول جدوى هذا التحالف وجدّيته من جهة روسيا.
روسيا، التي بنت لنفسها صورة الحليف القوي والصامد بوجه الهيمنة الأمريكية، تقف اليوم على الهامش وهي ترى شريكتها في “محور المقاومة” تُستهدف بشكل متكرر، دون أن تبادر إلى أي دعم معلن أو حتى موقف سياسي صلب. فباستثناء التصريحات الدبلوماسية الرمادية، لم تُظهر موسكو أي مؤشر على استعدادها للردع أو حتى التهديد بذلك، الأمر الذي يُضعف مصداقيتها كشريك استراتيجي ويطرح علامات استفهام حول أولوياتها ومصالحها في الشرق الأوسط.
قد يُبرر بعض المحللين هذا الموقف الروسي بالاعتبارات البراغماتية التي تحكم سياسات الكرملين، فروسيا لا تزال تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع إسرائيل التي تربطها بها مصالح اقتصادية وعسكرية في سوريا، كما تحاول تجنّب إثارة مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة الحرجة من الصراع في أوكرانيا. لكن هذا التفسير، وإن كان يحمل شيئاً من الواقعية، لا يُعفي موسكو من مسؤولية أخلاقية واستراتيجية تجاه التزاماتها المعلنة، ولا يمنع من القول بأن ما يجري هو نوع من الخذلان أو على الأقل الإحجام المتعمد عن الاضطلاع بدور الحليف الحقيقي.
إن إيران التي قدّمت لروسيا ما لم يقدّمه أحد من الحلفاء في حربها المصيرية، كانت تتوقع في المقابل موقفاً أكثر صلابة ودعماً، سواء من باب الوفاء بالاتفاق العسكري أو من منطلق تقاطع المصالح الاستراتيجية. أما الاكتفاء بالصمت، فهو لا يضر فقط بإيران، بل يوجه أيضاً رسالة سلبية لكل من يفكر بعقد تحالفات استراتيجية مع موسكو في المستقبل. فالعلاقات بين الدول، خصوصاً تلك التي تُبنى في زمن الحرب، لا تقوم فقط على المصالح، بل على الثقة المتبادلة، وهذه الثقة قد تتآكل إذا لم تقابل التضحية بالتضحية والموقف بالموقف.
في النهاية، يبدو أن الموقف الروسي من العدوان على إيران يكشف عن محدودية التحالفات “البراغماتية” حين تصطدم باختبارات الميدان، وأن ما تقدمه طهران في الحرب لا يُقابله حتى الآن سوى صمت ثقيل من موسكو، صمت قد تتحول كلفته السياسية إلى خسارة في رصيد روسيا كلاعب دولي يُعوّل عليه في موازين القوى الإقليمية والدولية.



إرسال التعليق