الشخصية الإيرانية: عقلية البقاء وجدلية التمايز في التاريخ والسياسة

احمد عناد

في البداية لنذهب تحليل الشخصية الإيرانية، نجد أنفسنا أمام تركيبة معقدة نشأت عبر آلاف السنين من الصراع من أجل البقاء، والخوف من الاندثار، والسعي الحثيث لصيانة الهوية وسط غزوات وأطماع خارجية متكررة. هذه الشخصية، سواء على مستوى الفرد أو الدولة، صاغتها عوامل التاريخ والجغرافيا، فتشكلت بنمط ذهني وسلوكي يوازن بين الثوابت والمتغيرات، بين الإعلان والسر، بين الإيمان بالشيء والعمل بنقيضه، في إطار هدف أسمى: البقاء وعدم الذوبان.
البقاء وعدم الاندثار: ثابت تاريخي
تاريخ بلاد فارس زاخر بمحاولات دؤوبة للبقاء وعدم الاندثار. منذ زمن الأخمينيين إلى الساسانيين، ثم خلال العصور الإسلامية، كان التحدي الأكبر للإيرانيين هو كيف يحافظون على وجودهم وخصوصيتهم الحضارية، في مواجهة كل غزو أو غريب. دخل المغول بلاد فارس في القرن الثالث عشر الميلادي، وكان الغزو المغولي كارثيًا على معظم بلاد العالم الإسلامي. إلا أن الفرس تميزوا عن غيرهم بقدرتهم الفريدة على استيعاب الغازي وتحويله من فاتح إلى تابع ثقافي. فسرعان ما اندمج حكام المغول في النسيج الفارسي، وأصبحوا حماة للثقافة الإيرانية الإسلامية، واعتنقوا الإسلام على الطريقة الفارسية، واحتضنوا اللغة الفارسية في دواوينهم. لم يكن هذا استسلامًا، بل استراتيجية بقاء ذكية، حافظت على العمق الحضاري الفارسي رغم الطوفان.
التميّز المذهبي والسياسي
بدخول الإسلام إلى بلاد فارس، لم يذب الإيرانيون في الثقافة الجديدة تمامًا. بل سعوا إلى خلق حالة من التمايز المذهبي من خلال تبني المذهب الشيعي، مقابل الغالبية السنية في العالم الإسلامي. ومع تصاعد الصراع مع الدولة العثمانية السنية، برع الإيرانيون، خاصة في عهد الصفويين، في تقديم التشيع العرفاني والصوفي كنسق ثقافي وروحي يزيد من تميزهم واستقلاليتهم. هذه الآلية لم تكن فقط وسيلة دينية، بل كانت أيضًا سلاحًا سياسيًا للحفاظ على الذات القومية والحضارية.
الشخصية المركبة: الإيمان بالشيء ونقيضه
الشخصية الإيرانية، سواء عند الفرد أو الدولة، تتميز بقدرتها على الجمع بين الأضداد في آنٍ واحد، واستثمار التناقضات لمصلحة البقاء. في المرويات الشعبية الإيرانية، حين يُسأل أحدهم:

“من هو الفارسي الأصيل؟”
يكون الجواب:
“هو الذي يتكلم بشيء، ويفكر بشيء آخر، ويضمر في قلبه شيئًا ثالثًا، ويحمل في جيبه رابعًا، ولديه خامس كخطة بديلة إذا فشلت كل هذه الخطط.”

وهذه ليست مجرد نكتة شعبية، بل توصيف دقيق للتركيب النفسي المعقد الذي تشكل عبر قرون من الاضطرار للتعامل مع محيط عدائي. نجد ذلك في السياسة الخارجية لإيران، مثل شعار “الموت لأمريكا” الذي ظل يُردد في العلن، بينما كانت التفاهمات السرية والصفقات تُعقد مع واشنطن (كما في فضيحة “إيران غيت” خلال الحرب مع العراق).

حتى الفلسفة الإيرانية، كما عند السهروردي وملا صدرا، سعت للجمع بين الحس والعقل، الظاهر والباطن، الدنيا والآخرة، في مسعى لصوغ هوية فكرية تتكيف مع عالم متغير ولا تقع ضحية لصراع الأضداد.
الخوف من الفراغ والبحث عن الامتداد
الشخصية الإيرانية تخشى الفراغ؛ لذلك تسعى دائمًا لملئه في جميع مجالات الحياة: في الفنون، في الدين، وفي السياسة. إيران اليوم لا تكتفي بدورها داخل حدودها، بل تبني أذرعًا ومشاريع خارجية (في العراق، لبنان، سوريا، اليمن) للحفاظ على صورتها المركزية، المتمثلة برمزية الولي الفقيه. هذه الامتدادات تُستخدم كصمامات أمان، وخطوط دفاع أمامية، وأدوات للبقاء في بيئة إقليمية معقدة.
الصفقة لا الاتفاق: سلوك سياسي مميز
إيران، بفكرها السياسي المتوارث، لا تميل إلى الاتفاقات النهائية التي تُلزمها على المدى الطويل، بل إلى الصفقات المرحلية التي تحقق مكاسب آنية وتمنحها هامش المناورة. الاتفاق يُقيد، بينما الصفقة تمنح المرونة. هذا ما ظهر بوضوح في المفاوضات النووية مع الغرب (5+1)، حيث أدارت طهران المفاوضات بما يكسبها الوقت، ويُجنبها الضغوط، دون تنازل استراتيجي حقيقي. وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري أقر بهذا حين قال: “هذا أقصى ما استطعنا التوصل إليه”، في إشارة إلى مهارة الإيرانيين في المراوغة وكسب الوقت.
في الختام
الشخصية الإيرانية، بفرادتها التاريخية، ليست نتاج لحظة، بل تراكم خبرات قرون من الصراع من أجل البقاء. إنها شخصية تؤمن بالبقاء فوق كل اعتبار، وتبحث عن سبل الاستمرار عبر التميز، والمراوغة، وخلق البدائل. من يقرأ هذه الشخصية بسطحية، يخطئ في فهم سلوك إيران، سواء في السياسة أو في المجتمع. ومن يريد التعامل مع إيران بواقعية، عليه أن يُدرك هذه البنية المركبة، التي لا تنظر إلى العالم بلونين: أسود وأبيض، بل عبر طيف واسع من الألوان.
وهم التفوق وادعاء فهم السياسة أكثر من الآخرين في المنطقة، وتستند إلى نظرة فوقية تجعلهم يظنون أنهم الأقدر على إدارة الملفات الإقليمية والدولية. ونتيجة لهذه السياسات، فقدت البلاد المودة والصفاء في علاقاتها ليس مع دول الجوار فقط، بل مع دول غير مجاورة أيضًا، حتى غدت مكروهة سياسياً من أغلب دول العالم. بل إن محاولاتها المستمرة لفرض الهيمنة وترهيب المنطقة دفعت بعض الدول إلى عقد اتفاقات سلام مع إسرائيل للتخلص من هذا الضغط والابتزاز. واليوم، تقف هذه العقلية أمام مأزق تاريخي يتجلى في تداعيات حربها الصاروخية مع إسرائيل، وما قد ينتج عنها من متغيرات سترسم ملامح جديدة للمنطقة بأسرها

المراجع
علي شريعتي التصوف العلوي والتشيع الصفوي
على شريعتي العديد من البحوث والكتب قدم فيها شخصية الفرد الفارسي
عبد الله النفيسي، إيران والخليج: بحث في الأصول العقدية والسياسية للتوسع الإيراني، دار الأمة، بيروت، 1980.

إحسان نراغي، إيران: المجتمع والسلطة، ترجمة أحمد الزين، دار الساقي، بيروت، 1992

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك