الرد الإيراني على العدوان الأميركي

عزالدين بوغانمي

في مواجهة العدوان الأميركي / الصهيوني على منشآتها النووية، تجد إيران نفسها أمام مروحة خيارات واسعة، تتراوح بين التصعيد العسكري المباشر، والتحرّك الدبلوماسي، والتصعيد عبر الحلفاء. غير أن هذه الخيارات لا تأتي دون تكالفيف، وبعضها ينطوي على مجازفات وجودية بالغة الخطورة.

أحد الخيارات المطروحة هو توجيه ضربات مباشرة للقواعد والأصول الأميركية في المنطقة. إلا أن هذا الخيار، رغم ما فيه من مشروعية، يعدّ انتحاريًا بامتياز. فاستهداف الوجود الأميركي سيعطي إدارة ترامب الذريعة لشنّ حرب مفتوحة، وهو بالضبط ما سعى إليه بنيامين نتنياهو منذ سنوات طويلة، من توريط الولايات المتحدة لِتقاتل نيابة عن تل أبيب.
والأسوأ من ذلك، أن هذا الخيار سفسد على إيران مسار التّقارب والتفاهم مع دول الخليج، إذ أن استهداف القواعد الأميركية المنتشرة في تلك الدول سيقلب المزاج الإقليمي رأسًا على عقب ويعيد إيران إلى العزلة.

هنالك من يتكلم عن تفعيل ورقة مضيق هرمز، ولِم لا مضيق باب المندب أيضا، وهذا يُعد من الخيارات القصوى. رغم ما يتضمنه من ردع اقتصادي ضخم حقيقي، إلا أن استعماله سيكون بمثابة خيار “هدم المعبد على الجميع”، لأنه يضرّ بالمصالح الحيوية لحلفاء إيران، وعلى رأسهم الصين، ويضع المنطقة على حافة الانهيار الاقتصادي والعسكري.

الأمر نفسه ينطبق على القول بضرورة تفعيل القوة البحرية الإيرانية في الخليج وخارجه. صحيح خيار مفيد في الردع، لكنّ كلفته شديدة التعقيد دولياً.

هناك أيضاً خيار التعويل على الحلفاء في ما تبقى من “محور المقاومة”. وهذا في ظني وتقديري خيار غير واقعي بالمعطى العسكري ولا يتناسب مع حجم الضربة الأميركية. علاوة على أنه يجب أن نعترف بأن الكلام عن محور المقاومة، بعد حسن نصر الله، وما تعرض له حزب الله، قد يصُحّ بالمعنى السياسي، وليس بالمعنى العسكري.

من جهة أخرى لا يمكن ابتلاع الضربة وعدم الرد، لأن الصمت في لحظة اختبار الصّمود، انتحار أخطر من المغامرة، لكونه يُسقط شرعية النظام أمام شعبه وأمام العالم حلفاء وأعداء.

يبقى الخيار الأكثر نجاعة وواقعية هو الثّبات على الاستمرار في ضرب إسرائيل، بوتيرة مؤلمة، وعلى مدى زمني ممتد ما أمكن، دون التورّط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. هذا الخيار يؤدّي جملة من الأغراض.

أولا، من وجهة النظر الواقعية والرّمزية الكيان الصهيوني مكوّن عضوي من مكونات الولايات المتحدة وامتداد لها. وضربه لا يختلف عن ضربها.

ثانيا، يعيد توازن الردع إلى مكانه الأصلي.

ثالثا، يُبقي واشنطن في موقع المتفرّج، طالما لم تُستهدف قواتها بشكل مباشر.

رابغا، يثقل كلفة العدوان على إسرائيل التي شنّت الحرب.

خامسا،يمنح إيران مساحة أمان ديبلوماسية مع جيرانها، ويحافظ على خيوط تواصلها مع القوى الكبرى.

لهذا طله، أظن أن إيران دولة عاقلة ولها خبرة طويلة في مصارعة الآفاعي. ولو خيّروها بين التصعيد الأهوج والصمود المحسوب لاختارت جعل العدو ينزف، دون الهبوط إلى المهلكة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك