قصص من عالم الجواسيس

قصص من عالم الجواسيس

صلاح الدين ياسين
باحث

تعتبر هبة سليم (1947- 1974) من أشهر الجواسيس في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، إذ تسببت بخسائر فادحة للجيش المصري خلال حرب أكتوبر بسبب المعلومات الحساسة التي قدمتها لإسرائيل.
نشأة هبة سليم وتجنيدها
ولدت هبة سليم في عام 1947 لأسرة غنية في القاهرة، تلقت تعليمها في مدارس أجنبية وكانت تتحدث الفرنسية بطلاقة. في أواخر الستينيات، سافرت هبة سليم إلى باريس لإكمال دراستها الجامعية. وخلال إقامتها هناك، تعرفت على شابة بولندية من أصل يهودي في الجامعة. وبواسطتها تعرفت على عميل في الموساد والذي نجح في تجنيدها للعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية.
أهم المعلومات التي سربتها هبة سليم لإسرائيل
استغلت هبة علاقتها الحميمة بخطيبها فاروق عبد الحميد الفقي، والذي كان يشغل منصباً حساساً كضابط في سلاح الصاعقة، بحيث نجحت في تجنيده للظفر بمعلومات عسكرية خطيرة للغاية. وهكذا، زودت العميلة هبة إسرائيل بمعلومات دقيقة حول مواقع منصات صواريخ الدفاع الجوي “سام 6” التي كانت مصر قد حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي، الشيء الذي ساهم في تدمير هذه المنصات بسهولة خلال حرب أكتوبر 1973. سمحت هذه المعلومات لسلاح الجو الإسرائيلي بتحديد وتدمير هذه المنصات في بداية الحرب، مما أحدث ثغرة كبيرة في الدفاعات الجوية المصرية وكبّد القوات المصرية خسائر فادحة.
الكشف عن هويتها
بدأت الشكوك تحوم حول وجود اختراق أمني واسع في صفوف الجيش المصري، ولاسيما بعد الخسائر الفادحة التي طالت منصات صواريخ “سام 6” في بداية حرب أكتوبر 1973. كان تدمير هذه المنصات يجري بوتيرة سريعة وغير معهودة، مما لمَّح إلى احتمال كبير بوجود تسريب داخلي لأسرار عسكرية بشأن مواقع الصواريخ ونقاط تمركزها.
وبالتالي، شرعت المخابرات المصرية في تتبع ومراقبة الضباط الذين يتمتعون بتصريح الوصول إلى هذه المعلومات الحساسة. وخلال التحقيقات، استرعى انتباههم العلاقة المشبوهة بين الضابط فاروق عبد الحميد الفقي وهبة سليم. قامت المخابرات المصرية بتشديد مراقبتها على فاروق، ولعلها اكتشفت من خلال تتبع اتصالاته أو سلوكه بعض المؤشرات التي تدل على تورطه في تسريب تلك المعلومات. وبعد استجوابه ومكاشفته بتلك الوقائع، اعترف فاروق بتجنيده من لدن هبة سليم وباح بطبيعة المعلومات التي كان يسربها لها. وبناء على ما تقدم، تيقنت السلطات المصرية من أن هبة سليم هي الجاسوسة التي كانت وراء تقديم تلك المعلومات الحيوية على طبق من ذهب لإسرائيل.
استدراجها والقبض عليها
تم استدراج هبة سليم إلى مصر عبر خطة ذكية نفذتها المخابرات المصرية بالتعاون مع نظيرتها الليبية.
كان والد هبة سليم يعمل مدرساً في ليبيا، حيث قامت المخابرات المصرية بالتنسيق مع السلطات الليبية بإقناع والدها بالتعاون معهم دون إخباره بهويتها كجاسوسة، حيث كان يتوهم بأن الغرض الحقيقي من العملية هو تخليص ابنته من مأزق وقعت فيه بفرنسا. اتصل الوالد بهبة التي كانت متواجدة بباريس وأخبرها بأنه مريض جداً ويرغب في رؤيتها للمرة الأخيرة قبل وفاته، مدعياً أنه مصاب بذبحة صدرية ويرقد في أحد مستشفيات طرابلس.
انطلت الحيلة على هبة سليم وسافرت من باريس إلى طرابلس للاطمئنان على صحة والدها. وبمجرد وصولها إلى مطار طرابلس، ألقت المخابرات المصرية القبض عليها واقتادوها بالقوة إلى طائرة مصرية كانت تنتظرها في المطار، إذ جرى نقلها مباشرة إلى القاهرة.
حوكمت هبة بتهمة الخيانة العظمى وحكم عليها بالإعدام شنقاً وهو الحكم الذي نُفذ فيها بالفعل. وقبل تنفيذ الحكم، بذلت رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك، جولدا مائير جهوداً كبيرة لمنع إعدامها، حتى أنها أرسلت وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر للتوسط لدى الرئيس المصري أنور السادات، لكن الأخير رفض الطلب.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك