سيناريوهات الرد على الضربة الأميركية

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

إن الضربة الأميركية التي دمّرت منشآت نووية إيرانية الليلة الفائتة لم تكن مجرد عمل عسكري عابر، بل تحولت في ساعات قليلة إلى مفترق طرق استراتيجي لطهران، وإلى اختبار غير مسبوق لقدرة النظام الإيراني على الموازنة بين الكبرياء الوطني وحسابات البقاء.
جدير بالذكر أن إيران اليوم في وضع لا تُحسد عليه. فقد تلقت صفعة علنية، وخسرت مواقع تعتبرها شريانًا رئيسيًا لمشروعها النووي، وأمامها خيارات محدودة للرد، كلها مكلفة، وكلها محفوفة بالأسئلة.
في هذا السياق، يعتبر الاحتمال الأقرب للواقع أن تختار إيران الرد عبر حلفائها ووكلائها المنتشرين في المنطقة. ذلك ليس فقط لأن هذا الأسلوب يمنحها مرونة في الإنكار، بل لأنه نهج مألوف أتاح لها سابقًا إرسال رسائل نارية دون أن تدخل في مواجهة مباشرة.
وعلى سبيل المثال، فإن عمليات استهداف قواعد أميركية في العراق أو سوريا، أو شن هجمات مسيّرة في البحر الأحمر، أو حتى إطلاق صواريخ من لبنان أو اليمن… كلها خيارات مطروحة على الطاولة، وكلها قد تحمل بصمات إيرانية دون اعتراف رسمي.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال الخيار السيبراني، الذي بات واردًا بقوة. فإيران تمتلك قدرات متقدمة في هذا المجال، وقد استخدمتها سابقًا ضد منشآت مالية ونفطية في دول مختلفة. ضربة إلكترونية ناجحة قد تُرضي الداخل الإيراني المتعطش للرد، وتربك الخصوم دون الحاجة لصاروخ أو طلقة واحدة.
أما خيار الصمت الكامل، فهو أمر وارد ولكن لفترة زمنية محدودة، الغرض منها استثمار هذه الضربة في حشد التأييد الدولي لإيران، الدول العضو في الأمم المتحدة التي تتعرض لضربة خارجية، ولكن أدبيات النظام الإيراني، تستوجب بعد ذلك تنفيذ ضربة محسوبة، موضعية، وفي توقيت مدروس. هجوم صغير على هدف أميركي، أو تفجير رمزي في نقطة رخوة، قد يكون كافيًا لاستعادة شيء من الهيبة، من دون أن يُعتبر إعلان حرب.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الخيار أشبه بلكمة على الطاولة، لا بهدف فتح المعركة، بل لإثبات أن إيران لم تُكسر.
ورغم كل ذلك، يبقى احتمال الانتظار قائمًا؛ فقد تختار طهران أن تخبئ الرد في درجٍ مغلق، وتخرجه بعد شهر أو عام، في توقيت يكون فيه الطرف الآخر غافلًا أو منشغلًا. رد بارد، عابر للحدود، من النوع الذي لا يُنسى بسهولة.
وقد يتمثل هذا الرد في اغتيال هادئ، أو تفجير مفاجئ، أو حتى تسريب وثيقة تثير البلبلة في العالم. فإيران، في أعماق عقيدتها الأمنية، لا تنسى، لكنها تتقن الصبر.
وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن كل الخيارات أمام إيران تحمل ثمنًا، وكل تأخر في الرد يضغط على صورة النظام داخليًا وخارجيًا. لكن طهران تدرك جيدًا أن الخطأ في الرد أخطر من الضربة ذاتها، وأن المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول فوردو ونتنز، بل حول من يملك توقيت اللعبة القادمة.
خلاصة القول: إيران الآن لا تبحث فقط عن صاروخ تطلقه، بل عن لحظة توازن بين الغضب والعقل.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك