قراءة نفسية لشخصية و قرارات دونالد ترامب

ترامب بين جنون العظمة واضطراب الشخصية: قراءة في السلوك النفسي لرئيس مثير للجدل

عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

منذ صعود دونالد ترامب إلى الساحة السياسية الأميركية، ثم فوزه المفاجئ برئاسة الولايات المتحدة عام 2016، أصبح هذا الرجل مادة دسمة لتحليلات علماء النفس والساسة على حد سواء. فهو لم يكن مجرد رئيس تقليدي يعبّر عن سياسات حزبه، بل ظاهرة نفسية وسياسية فريدة تستحق الدراسة، لا سيما في ما يتعلق بسلوكياته المفرطة في تضخيم الذات، ورفضه للنقد، وعلاقته المتوترة بالحقيقة.

نرجسية مرضية أم اضطراب في الشخصية؟
يرى العديد من المتخصصين في علم النفس أن ترامب يُظهر علامات واضحة لاضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder)، وهو اضطراب يتسم بالشعور المبالغ فيه بأهمية الذات، والحاجة المستمرة للإعجاب، مع انعدام واضح للتعاطف مع الآخرين.

في خطاباته وتصريحاته المتكررة، نراه يكرر عبارات مثل: “أنا وحدي يمكنني حل هذا”، أو “لم يشهد التاريخ رئيسًا مثلي”، وهي إشارات واضحة إلى جنون العظمة (Delusions of Grandeur)، وهي حالة نفسية قد تكون مرتبطة بأمراض نرجسية أو ذهانية. هذه النبرة المتعالية لا يمكن فصلها عن الاضطراب النفسي، بل قد تكون مؤشرًا على هشاشة داخلية يحاول ترامب تعويضها بالمظاهر اللفظية والاستعراضية.

العداء للنقد والواقع
من أبرز سمات الشخصية المصابة بجنون العظمة، عدم تقبل النقد واعتباره هجومًا شخصيًا يستوجب الرد العنيف أو التحقير. وقد رأينا ترامب يصف الصحفيين الذين يطرحون عليه أسئلة محرجة بأنهم “أعداء الشعب”، ويتهم الإعلام بـ”نشر الأخبار الكاذبة”. بل وصل به الأمر إلى اتهام القضاء والمؤسسات التي لا تتفق معه بأنها “فاسدة” أو “معادية لأميركا”، في سلوك يقترب من البارانويا السياسية.

السلوك العدواني والانتقامي
لم يُخفِ ترامب طبيعته الانتقامية يومًا. فقد تفاخر بمعاقبة كل من خالفه، سواء كانوا مسؤولين سابقين أو حتى من حزبه الجمهوري. وهذه النزعة العدوانية دليل على اضطراب داخلي في إدارة المشاعر، وعجز عن التوازن النفسي، مما يجعل قراراته تتأرجح بين المزاجية والانفعال والتسرع.

لماذا لم يُعالَج أو يُحاسَب؟
في الأنظمة الديمقراطية الناضجة، تُعد المؤشرات النفسية ذات تأثير في تقييم أهلية القادة، لكن النظام الأميركي، رغم قوته المؤسسية، يفتقر إلى آليات مرنة لعزل رئيس بناءً على تشخيصات نفسية، خاصة إذا كان مدعومًا بقاعدة جماهيرية تعتبر نرجسيته نوعًا من “القيادة الحاسمة”.

ترامب ليس حالة فردية… بل مرآة لزمن مختل
من السهل اختزال ترامب في عبارة: “رجل مريض نفسيًا”، لكن الأخطر أن المجتمع الذي أوصله إلى السلطة، ثم دافع عنه رغم سلوكياته، قد يكون هو الآخر مصابًا باضطراب جمعي يبحث عن “زعيم قوي” بأي ثمن. وهنا تتجاوز الأزمة شخص ترامب، لتتحول إلى أزمة حضارية في فهم السلطة والهوية في أميركا المعاصرة.

ترامب… الصانع الخفي للفوضى: من صفقة القرن إلى شرارة الحرب مع إيران
بقلم: عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

لا يمكن تحليل الانفجارات الجيوسياسية في الشرق الأوسط منذ عام 2016، دون التوقف عند شخصية دونالد ترامب ودوره في تأجيج الصراعات بدل تهدئتها. لقد تجاوز ترامب حدود التدخل السياسي التقليدي إلى إعادة تشكيل المعادلات الإقليمية، عبر قرارات مثيرة وتحالفات مشبوهة، ليكون بحق أحد أبرز مهندسي الفوضى في المنطقة.

أولًا: صفقة القرن… مسمار في نعش القضية الفلسطينية
أطلق ترامب “صفقة القرن”، فكانت إعلانًا صريحًا بعداء غير مسبوق للقضية الفلسطينية، عبر:

نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري.

تجفيف مصادر تمويل الأونروا.

تقويض حق العودة.

تسويق مشاريع تصفوية بدعم خليجي واضح.

هذه الإجراءات كانت بمثابة ضوء أخضر للكيان الصهيوني ليمضي في الاحتلال والاستيطان والقتل دون محاسبة، مما فجر الغضب الشعبي والمقاومة، وأشعل جبهات عدة، من غزة إلى جنوب لبنان.

ثانيًا: إلغاء الاتفاق النووي مع إيران… إشعال برميل البارود
انسحب ترامب في 2018 من الاتفاق النووي الإيراني، مستبدلًا الدبلوماسية بسياسة “الضغط الأقصى”، والتي تضمنت:

عقوبات خانقة استهدفت الشعب قبل النظام.

تصعيد عسكري في الخليج.

اغتيال قاسم سليماني، ما عدّه كثيرون إعلان حرب مبطّنة.

فتح ترامب بذلك باب الحرب مع إيران، وبدأت تظهر اليوم نتائج هذا التصعيد في مواجهات دامية تمتد إلى العراق وسوريا ولبنان وحتى كردستان العراق.

ثالثًا: تطبيع قسري وتحالفات مشبوهة
دفع ترامب باتجاه اتفاقات “أبراهام”، والتي ثبّتت القبول العربي بالاحتلال مقابل لا شيء. وقد غيّر ذلك خريطة الصراع من “عربي – إسرائيلي” إلى “عربي – إيراني”، مما حوّل طهران إلى “العدو المركزي”، بدلًا من تل أبيب.

رابعًا: فراغ القوة وحروب الوكالة
في العراق وسوريا واليمن، انسحب ترامب أو أضعف الدور الأميركي التقليدي، تاركًا فراغًا ملأته الميليشيات والقوى الإقليمية، فصارت المنطقة ساحة مفتوحة لحروب الوكالة والفوضى.

خامسًا: هل انتهت الترامبية؟ أم أنها مستمرة؟
رغم خروجه من البيت الأبيض، ترك ترامب إرثًا مدمّرًا في السياسة الخارجية. لقد رسّخ العنصرية، شرّع الاغتيالات، ودمّر التحالفات الدولية، لتبقى المنطقة مشتعلة على وقع سياسات طبعتها “الترامبية” بوضوح.

سادسًا: استمرار الحرب في غزة… بصمات ترامب
الحرب الأخيرة على غزة ليست منفصلة عن سياسات ترامب، بل استمرار لها:

  • دعم أميركي مطلق للعدوان الإسرائيلي.
  • استخدام الفيتو لحماية الاحتلال.
  • شرعنة الحرب المفتوحة باعتبارها “دفاعًا عن النفس”.
  • إضعاف الوحدة الفلسطينية عبر التطبيع.

هذه الممارسات غذّت العدوان، وأبقت نار الحرب مشتعلة في غزة، تحت غطاء سياسي زرعه ترامب.

سابعًا: ترامب وابتزاز الدول العربية والإسلامية: المال مقابل الحماية
واحدة من أخطر ملامح “الترامبية” كانت الابتزاز العلني:

صفقات سلاح خيالية، أبرزها صفقة الـ400 مليار دولار في الرياض.

ربط الدعم الأميركي بالتبعية السياسية.

استخدام فزّاعة إيران لابتزاز الخليج.

الضغط على مؤسسات إسلامية لخفض صوتها.

تشير تقارير إلى أن دول الخليج دفعت ما بين 3 إلى 5 تريليونات دولار خلال عهد ترامب، دون أي مردود استراتيجي حقيقي، فقط لتأمين “الحماية الأميركية”.

ترامب لم يكن مجرد رئيس، بل صانع أزمات، ومهندس فوضى، ومبتز للمال العربي، وشرعن للقتل تحت مظلة “التحالف”. لقد زرع بذور الانفجار، وها هي المنطقة تحصد اليوم دمارًا متواصلًا… بشظايا ما تزال تحمل بصماته.

إرسال التعليق