إيديولوجيا البقاء على قيد الحياة

دكتور سعيد عيسى

يمكن أن نقول أنّنا مُشبَعين بجملة من القيم والمشاعر والمعتقدات، وهي تشبه الفلتر الذي نرى من خلاله العالم، متمسّكين بها لأنّها تشكّل معتقداتنا وأفكارنا عن العالم.
في الواقع، هذه المعتقدات والأفكار غالباً تكون قريبة جداً لنا لدرجة أننا لا نشعر بوجودها. ونحن نظن أن معتقداتنا وأفكارنا هي الشيء الطبيعي والحقيقي بشكل واضح، حتى لو كانت تلك المعتقدات خاطئة، فإن عقلنا يجعلنا نعتقد أنها الحقيقة، لأنها جزء من مجموعة أفكار نؤمن بها. هذه المعتقدات والأفكار التي دخلت على وعينا أو أُدخِلت إليه، تتحكّم فينا، تصقل شخصياتنا وتعطيها صفات، يمكن للآخرين بسهولة تحديدها والحكم عليها.
وما أعني به هنا، هو وقع الإيديولوجيا في النّمط المسيطر على حياتنا من مأكل ومشرب ومَلبَس وسكن وعلاقات وسلوك وثقافة وغيرها من العناصر التي كنّا حتى الأمس القريب نتباهى بها على بعضنا البعض أو على غيرنا من الأقوام. وبالطبع هذا كله من صنيعة تلك الأفكار والمعتقدات أو ما يصطلح عليه باسم “الإيديولوجيا المسيطرة”.
لكنّ تغيّر الأوضاع المالية والاقتصادية في البلاد قلب الإيديولوجيا المسيطرة رأسا على عقب، فاتّجهت الناس مرغمة لا طواعية نحو إيديولوجية مغايرة، وهي إيديولوجية التقطير والاكتفاء بما هو ضروري على النافل والعودة للتمسّك بما كان سائدا في الماضي كردّ فعل دفاعيّ عمّا يسود في الحاضر.
ولربط ما نتحدّث عنه أعلاه في الواقع يمكن رصد التحوّلات التالية:

  • اتجهت الناس مجددا نحو حلويات كانت أنِفتها سابقا إلا ما ندر وهي المشبّك والمعكرون والنّمورة والصفوف والقناديل وغيرها مما يصطلح على تسميته بالحلويات العربية.
  • تضاعف الطّلب على الأعشاب والنباتات مثل الزهورات والبابونج والقصعين والميرميّة والزوفا وغيرها لغليها لشربها ساخنة بديلا عن الكابتشينو والنّسكافيه والكافي لاتيه وغيرها، أو للتداوي بها بديلا عن الحبوب والمهدئات، أو لاستخدامها كمستحضرات طبية تجميلية ولترطيب البشرة مثل زهر اللوز والورد، وهذا بالطبع أدى لتضاعف محلات العطارة بعد أن كانت في سائرة نحو الأفول والنسيان.
  • أصبح رواد المقاهي يفتشون عن المشروبات الساخنة ذات الأسعار المتدنية وغير المكلفة وحتى أنّ البعض بات يفضّل شراء مشروبه الساخن أو البارد من محلات الخدمة السريعة لها المنتشرة على الطرقات على الطرقات(الاكسبريس) نظرا لانخفاض سعرها كثيرا عن مثيلاتها في المقاهي ومن ثمّ الانتحاء على إحدى الزوايا وشربها في الطرقات العامة.
  • أصبح هناك وسائل نقل للعامة لا تتقاضى بدلا من الرّكاب إنما لكسب الأجر فقط، أي الإفادة من دعاء الرّكاب للسائق الذي يراكم الحسنات في الدنيا لمصلحته وعائلته وأولاده وأهله في الآخرة.
  • تزايد قصد الناس لمحلات “البالة” أو الستوكات الأوروبية بحثا عن الماركات العالمية بعد عجزهم عن شرائها من محلاتها الأصلية أو من حتى من المحلات التي تبيعها مقلّدة. وبالتالي ارتفاع نسب محلات البالة الستوكات بشكل كبير وحلولها مكان محلات الماركات.
  • زيادة استيراد الألبسة ذات النوعية الرخيصة ومن أسواق لم يكن لبنان يستورد منها إلا ما ندر.
  • إقفال ما لا يقلّ عن 12 ألف متجر لبيع الملابس والأحذية والتحوّل نحو البيع أونلاين عبر التطبيقات الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي.
  • ازدياد أعداد الأفراد والجماعات الذين يؤمنون بالقضاء والقدر وبنظرية “المؤامرة” بدليل أنّ 60% من الموجودين في لبنان وبعد مضي 3 سنوات على انتشار جائحة كورونا لم يتلقوا ولا حتى جرعة واحدة من أيّ لقاح.
  • ازدياد حدّة تقوقع وانعزال الجماعات عن بعضها البعض بدليل تلقي عددا من الشابات والشبّان ضربا مبرحا في أحد المناطق لمجرّد توزيعهم منشورات للمواطنين في الطريق.
  • ارتفاع نسبة اليأس بين الأفراد والجماعات وبين الفئات المتعلّمة والأكاديميّة لدرجة أنّ طبيب أسنان مات غرقًا وهو يحاول الوصول عبر البحر إلى اليونان لينفذ منها إلى أوروبا للخلاص من الحالة التي وصل إليها.
    إنّ سنة 2021 حملت كثيرا من المؤشرات على تحوّلات في الاجتماع اللبناني وجعلت من الإيديولوجيا التي كانت مسيطرة حتى الأمس القريب تتراجع لمصلحة إيديولوجيا مختلفة أساسها محاولة البقاء والاستمرار على قيد الحياة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك